اقتصاد

الاقتصاد السوري في قبضة الظل: 70% خارج المنظومة الرسمية وتضخم متفاقم

جريدة الوطن٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠١:١١ م1 مشاهدة
الاقتصاد السوري في قبضة الظل: 70% خارج المنظومة الرسمية وتضخم متفاقم

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الاقتصاد غير الرسمي يبتلع اقتصاد سورية.. 70% خارج المنظومة الرسمية!" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتفاقم مشكلة التضخم في سوريا، التي لا تقتصر على ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والسلع المستوردة، بل تتجذر بفعل اختلالات داخلية تزيد من حدة وتأثير الصدمات الخارجية على السوق المحلية. يأتي في مقدمة هذه الاختلالات اتساع الاقتصاد غير الرسمي، الذي قدّر الدكتور فراس شعبو حجمه بما يتراوح بين 62% و70% من الاقتصاد السوري، مشيراً إلى أنه بات يقود النشاط الاقتصادي بدلاً من الاقتصاد الرسمي.

وأوضح شعبو في تصريح خاص لـ«الوطن» أن التضخم في سوريا متعدد الأسباب والعوامل، ويتأثر بمؤثرات داخلية وخارجية قصيرة وطويلة الأمد، مما يستحيل اختزاله في سبب واحد أو معالجته بإجراء منفرد. وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية والسلع الأساسية وتكاليف النقل والشحن عالمياً يمثل أحد أبرز مصادر التضخم المستورد، نظراً لاعتماد سوريا على الاستيراد لتأمين جزء كبير من احتياجاتها.

لكن خصوصية الحالة السورية، بحسب شعبو، تكمن في اتساع الاقتصاد غير الرسمي، الذي يجعل أثر الصدمات الخارجية أكبر مما يمكن أن يكون عليه في اقتصاد أكثر تنظيماً وخضوعاً للرقابة. ويتخذ الاقتصاد غير الرسمي أشكالاً متعددة؛ منها المشروعات والورش والأعمال الصغيرة غير المسجلة لدى البلديات أو الجهات الضريبية، واقتصاد الظل والتهرب الضريبي حتى في المنشآت المسجلة رسمياً التي لا تفصح عن كامل أرباحها، والتهرب التنظيمي مثل التعاملات المالية خارج القنوات الرسمية، بالإضافة إلى الاقتصاد غير الشرعي كـ التهريب وتمويل الإرهاب وتجارة الكبتاغون.

وقدّر شعبو أن مجموع هذه الأنشطة يشكل ما بين 62% و70% من الاقتصاد السوري، مؤكداً أن «الاقتصاد غير الرسمي هو الذي يقود الاقتصاد وليس العكس». وتكمن خطورة هذا الاتساع في أن جزءاً كبيراً من حركة الأموال والسلع والخدمات يجري خارج نطاق البيانات الرسمية، مما يحرم الدولة من إيرادات ضريبية، ويضعف قدرتها على تقدير الحجم الحقيقي للنشاط الاقتصادي ومراقبة الأسواق وتنظيمها.

وفيما يتعلق بأثر الاقتصاد غير الرسمي على التضخم، أوضح شعبو أن سورية لا تستطيع التحكم بمصادر الصدمات الخارجية، لكنها تستطيع معالجة العوامل الداخلية التي تزيد من تأثيرها. وأشار إلى دراسة خلصت إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يضاعف أثر الصدمات التضخمية الخارجية على الاقتصاد السوري بنحو خمسة أضعاف. وبحسب شعبو، فإن ارتفاع الأسعار عالمياً لا ينتقل إلى المستهلك السوري عبر تكاليف الاستيراد وحدها، بل يتفاعل مع اختلالات السوق المحلية، وفي مقدمتها ضعف الرقابة واتساع التعاملات خارج القنوات الرسمية، وما يرتبط بذلك من احتكار ومضاربة وضعف المنافسة، مما يحول الزيادة الخارجية إلى موجة غلاء أشد داخل السوق.

ولفت شعبو إلى أن السوق السورية تشهد عدم تماثل في الاستجابة للتغيرات السعرية؛ فعندما ترتفع الأسعار العالمية، تنتقل الزيادة بسرعة إلى السوق المحلية، بينما لا تنعكس الانخفاضات بالسرعة والقوة نفسيهما. وأوضح أن ضعف المنافسة والاحتكار وتراجع فاعلية الرقابة، إلى جانب اتساع الأنشطة غير الخاضعة للمتابعة الرسمية، عوامل تجعل المستهلك يتحمل الزيادات فور حدوثها، من دون أن يستفيد بالقدر نفسه عندما تنخفض تكاليف الاستيراد أو تتراجع الأسعار العالمية. وأضاف إن متوسط استمرار أثر الصدمة التضخمية يصل إلى نحو أربعة أشهر.

ومن أبرز العقبات التي أشار إليها شعبو صعوبة قياس حجم الاقتصاد غير الرسمي بدقة، نتيجة غياب البيانات الشاملة عن الأنشطة التي لا تسجل لدى الجهات الحكومية أو لا تمر عبر القنوات المصرفية والضريبية. وأوضح أن تقدير هذا النشاط يتطلب الاستفادة من الأبحاث السابقة وبناء مؤشرات تساعد على رصد حجمه، من بينها تقلبات سعر الصرف والتعاملات النقدية خارج الرقابة المصرفية وأنماط الاستهلاك والتفاوت في مستويات الدخل، ووجود أكثر من سعر للدولار. ولا تقتصر المشكلة هنا على الجانب الإحصائي، بل تنعكس على قدرة الحكومة على وضع سياسات مالية ونقدية دقيقة، إذ تصبح معالجة اقتصاد لا تعرف الدولة حجمه الحقيقي ومصادر تدفقاته أكثر صعوبة.

وفي مواجهة الصدمات الخارجية، دعا شعبو إلى تبني إجراءات استباقية، وفي مقدمتها استخدام العقود الآجلة لشراء النفط والمواد الأساسية، بما يساعد على تثبيت أسعار الإمدادات المستقبلية. كما شدد على أهمية بناء احتياطات استراتيجية من الطاقة والمواد الأساسية لاستخدامها عند حدوث اضطرابات في الأسواق العالمية، إلى جانب إبرام اتفاقيات تعاون استراتيجية بين الدول لضمان استقرار الإمدادات. لكن التحوط من الصدمات الخارجية، وفق ما تطرحه هذه المعطيات، لا يكفي وحده لاحتواء التضخم، إذ يتطلب الأمر معالجة الاختلالات الداخلية وتوسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي، وتنظيم الأنشطة التجارية والمالية، وتعزيز الرقابة والمنافسة والحد من التهرب الضريبي والاحتكار. فحين يقدّر حجم النشاط الاقتصادي خارج المنظومة الرسمية بأكثر من نصف الاقتصاد، لا يعود تنظيمه مجرد ملف ضريبي أو إداري، بل يصبح شرطاً أساسياً لاستعادة قدرة الدولة على إدارة السوق والحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى جيوب السوريين.

شارك الخبر: