سوريا والأردن: ما وراء الحدود والقلق.. مصير مشترك يتجاوز الجغرافيا


هذا الخبر بعنوان "على الجهة الأخرى من القلق.. سوريا والأردن" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على امتداد الحدود بين درعا السورية والرمثا الأردنية، لا تمثل الحدود مجرد خط فاصل، بل شريان حياة يربط العائلات والأقارب، حيث تتشابه اللهجات والعادات وروائح الخبز، وتتكرر أسماء العائلات على الجانبين، مما يجعل الفصل بينهما أمرًا صعبًا.
عندما ضاقت الأيام بأهل الجنوب السوري، وجدوا في الجانب الأردني بيوتًا تعرفهم وأبوابًا مفتوحة، فقد أثبتت الأزمات الكبرى أن ما يصيب دولة لا يبقى محصورًا بحدودها. لكن هذه التجربة لم تخلُ من التحديات، فمن عبروا يتذكرون الانتظار والمعاناة، ومن استقبلوا يتذكرون ضغط اللجوء على الخدمات، وفي الوقت نفسه، يتذكرون كرم الضيافة في أشد المحن. هذا التداخل يخلق مشاعر معقدة من الامتنان والتعب، وذاكرة تحتاج إلى الإنصاف لتجنب تحول التجربة القاسية إلى حاجز جديد.
تؤكد السنوات الماضية أن الأزمات لا تتوقف عند المعابر، وأن ما يصيب دولة يرتد على محيطها، كما أن استقرار الجوار يدعم التعافي. ومع ذلك، فإن المصير المشترك لا يعني تطابق المواقف؛ فللأردن مخاوف مشروعة تتعلق بالتهريب والأمن، ولـسوريا حق السيادة. تكمن المشكلة في إدارة الاختلاف وليس في وجوده، فالعلاقات بين الدول تُبنى على القدرة على إدارة الخلافات دون استنزاف المصالح المشتركة. السياسة الناضجة لا تنكر مخاوف الجار، بل تبحث عن صيغة تحقق أمن الطرفين وتجعل أمن كل طرف جزءًا من حل مستدام.
في الجنوب السوري، تتجلى هذه المعادلة بتعقيداتها. هذه المنطقة ليست مجرد مساحة أمنية للأردن أو خط دفاع لسوريا، بل مجتمع يعيش تحديات متراكمة، تتداخل فيه شبكات التهريب مع التشكيلات المحلية، وتتعايش فيه سلطة الدولة مع اقتصاد البقاء الذي نشأ في سنوات ضعف المؤسسات. بالنسبة للسكان هناك، هذه ليست مجرد ملفات أمنية، بل تفاصيل يومية تمس حياتهم ومستقبلهم.
المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي لحل مشكلة تتغذى من الفقر والبطالة وضعف الخدمات. التنمية تحتاج إلى أمن وسيادة قانون. المطلوب هو إدراك أن الأمن والتنمية شرطان لاستدامة بعضهما البعض. الخوف الذي يطول يتحول إلى جزء من تربية الأجيال، حيث يتعلم الأطفال أن الحدود مكان تُحسب فيه الخطوات، وأن الجار قد يصبح مصدر قلق. هذه خسارة بطيئة وعميقة تحتاج إلى سنوات من الاستقرار والثقة لاستعادة عافية العلاقات الإنسانية.
الانتقال من إدارة المخاطر إلى بناء المصالح هو خيار استراتيجي. سوريا التي تستعيد مؤسساتها وتضبط حدودها وتوفر فرصًا لأبنائها تمثل مصلحة استراتيجية للأردن. وبالمثل، فإن الأردن المستقر الذي يفتح مسارات التجارة يشكل فرصة للتعافي السوري. ما يحتاجه البلدان هو تعاون مؤسسي مستمر في ملفات الحدود والتجارة والنقل والمياه والطاقة، لجعل المصالح المشتركة واقعًا ملموسًا.
الطريق ليس سهلاً، فالثقة لا تُستعاد بقرار، والمصالح لا تُبنى بالتمنيات. لكن البداية تكون بخطوات واضحة، واحترام متبادل للسيادة، وتنسيق أمني يعالج المخاطر مع أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، وفتح المجال أمام التجارة المشروعة، وتيسير حركة الناس، وإعادة الاعتبار للمناطق الحدودية. أمن الأردن مرتبط بقدرة الدولة السورية على التعافي، وتعافي سوريا يحتاج إلى جوار عربي مستقر. الفراغ الذي يضعف إحدى الدولتين سيؤثر على الأخرى، والاضطراب في إحداهما سيجد طريقه إلى الأخرى. الاستقرار المبني على مؤسسات فاعلة واقتصاد منتج وعلاقات متوازنة هو مكسب مشترك.
بين سوريا والأردن أكثر من حدود مشتركة، هناك ذاكرة متداخلة ومصالح لا تفصلها الجغرافيا، ومستقبل يتأثر بما يبنيانه معًا. الحكمة في إدارة الجوار تُبنى بالثقة وتحمل المسؤولية، وإدراك أن المواقف الأعلى صوتًا ليست دائمًا الأقدر على حماية المصالح. بعض الأزمات يمكن منعها قبل أن تتحول إلى ملفات أمنية معقدة. العلاقة المستقرة لا تحتاج إلى تطابق كامل، بل إلى اتفاق على ألا يدفع الشعبان ثمن الخلافات أكثر من اللازم.
في نهاية المطاف، لا يسأل الناس عن تفاصيل التفاهمات السياسية، بل عن أمن الطريق، وعن عبور الشاحنات، وعن إمكانية زيارة الأقارب، وعن فرص العمل، وعن إقامة الأعراس دون قلق. هذه هي المقاييس التي تمنح العلاقات بين الدول معناها الحقيقي، حين تنعكس السياسة أمنًا وفرصًا وكرامة في حياة الناس.
السؤال الأعمق لدمشق وعمّان ليس كيف يحصل كل طرف على ضمانات، بل كيف تُبنى الثقة التي تجعل الضمانات نتيجة لعلاقة مستقرة. ليس المطلوب اختفاء المخاوف فورًا، بل ألا تتحول إلى قدر دائم. ليس المطلوب محو الذاكرة، بل تحويل دروسها إلى أساس لعلاقة أكثر نضجًا وعدلًا. ربما لا يمكن إنهاء القلق تمامًا في منطقة مضطربة، لكن يمكن منعه من أن يصبح اللغة الوحيدة بين الجارين، وترك للأجيال القادمة طريقًا إلى الحياة بدلًا من درس دائم في الخوف، ليعبروا إلى الجهة الأخرى ببساطة لأنهم ذاهبون إلى بيت يعرفهم.
سياسة
صحة
سياسة
سياسة