ورثة غزالة: صراع الشريعة والقانون البيزنطي وتحالف البطريرك وفرنسا في حلب


هذا الخبر بعنوان "أرشيفات | ورثة غزالة.. حين تحالف البطريرك وفرنسا لفرض الشريعة على مسيحيي حلب" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سلسلة استقصائية جديدة، يعود موقع "تلفزيون سوريا" ليقدم قراءة معمقة لوثائق تاريخية من الأرشيفات السورية والعالمية، مسلطاً الضوء على أحداث وقصص محورية في التاريخ السوري الحديث. تهدف هذه السلسلة إلى تزويد القارئ بحقائق موثقة تساعد على فهم الجذور السياسية والقانونية والاجتماعية التي شكلت واقعنا المعاصر.
في الخامس عشر من مارس عام 1926، توفي المصرفي الثري رزق الله غزالة في حلب، تاركاً ثروة ضخمة تقدر بنحو ثلاثين مليون فرنك فرنسي. ورغم عدم وجود ذرية له، أشعلت وفاته معركة قضائية وسياسية ودينية طويلة ومعقدة في المدينة. لم تكن قضية "تركة غزالة" مجرد نزاع عائلي، بل تحولت إلى ساحة تصادمت فيها الشريعة الإسلامية مع القانون البيزنطي القديم، وتداخلت فيها المصالح الاستعمارية الفرنسية مع النفوذ الكنسي الكاثوليكي، بالإضافة إلى حقوق الأجانب والقوانين العثمانية.
قبل وفاته، قام رزق الله غزالة بنقل معظم ثروته إلى اثنين من أبناء شقيقه المتوفى، فتح الله غزالة، عبر "عقد هبة مستترة" (وصية). أما أرملته، ماري أسود، فقد خصص لها حق الانتفاع بمنزل العائلة ومبلغ مالي يكفي لمعيشتها. لم تقبل الأرملة بهذا الترتيب، وقدمت طعناً في صحة الوصية أمام محكمة البداية في حلب. في 6 أبريل 1927، أبطلت المحكمة الوصية ومنحت الأرملة ربع التركة، بينما ذهبت الأرباع الثلاثة المتبقية إلى أبناء شقيق المتوفى الثلاثة. بهذا الحكم، تم استبعاد أبناء وبنات أخوات المتوفى (الخط الأنثوي) استناداً إلى الشريعة الإسلامية، التي كانت تُعتبر "القانون العام" في سوريا تحت الانتداب الفرنسي. كما تم استبعاد الأجانب، مثل مارغريت ساجياتي (إيطالية) ونصري دلال (بريطاني)، بناءً على مبدأ "اختلاف الدارين".
لم يستسلم الورثة المستبعدون، ولجأوا إلى محكمة استئناف حلب. في 25 يونيو 1927، ألغت المحكمة حكم البداية وأصدرت اجتهاداً قانونياً جديداً: بما أن غزالة كان مسيحياً من طائفة الروم، فإن تركته تخضع لقانون الأحوال الشخصية الديني الخاص بطائفته، وهو القانون البيزنطي المستمد من "روايات جستنيان". هذا القانون يضمن المساواة الكاملة بين الخطين الذكوري والأنثوي في الميراث، مما أعاد مارغريت ساجياتي وباقي أبناء الأخوات إلى دائرة الورثة. أثار هذا الحكم قلق أبناء شقيق المتوفى والأرملة والجهات الداعمة لها (رهبنة الفرنسيسكان الفرنسية في حلب)، مما دفعهم للاتحاد لإسقاط هذا الحكم.
اتخذ الصراع بعداً دينياً وطائفياً معقداً. في 8 يوليو 1927، وجه بطريرك الروم الكاثوليك الملكيين في دمشق، كيرلس التاسع مغبغب، رسالة إلى المندوب السامي الفرنسي، هنري بونصو، معرباً عن غضبه من تطبيق القانون البيزنطي، ومؤكداً أن تركات الروم الكاثوليك كانت دائماً من اختصاص المحاكم الشرعية والقانون القرآني. طالب البطريرك بالتدخل لمنع "الآثار الكارثية" لحكم محكمة حلب، مفضلاً الخضوع للشريعة الإسلامية على تطبيق القانون البيزنطي الذي اعتبرته روما "انشقاقياً".
تدخلت السلطات الفرنسية بناءً على طلب الكنيسة الكاثوليكية ورهبنة الفرنسيسكان. في 30 يوليو 1927، طمأن المندوب السامي بونصو البطريرك بأن حكم حلب "تطبيق زائف للقانون"، وأمر بتسريع عرض القضية على محكمة التمييز لإسقاطه. وفي رسالة سرية، أصدر بونصو أوامر "بالتدخل لدى المدعي العام" للدفاع عن تطبيق قانون الميراث القرآني على الروم الكاثوليك، معتبراً أن حكم محكمة حلب يهدد "العلاقات العائلية للمسيحيين".
تحت الضغط السياسي، نقضت محكمة التمييز بدمشق حكم استئناف حلب في 22 سبتمبر 1927، وأعادت القضية إليها لتطبيق الشريعة الإسلامية. لكن محكمة حلب، في تحدٍ، أصرت في حكم ثانٍ في 7 مايو 1928 على تطبيق القانون البيزنطي. أدى هذا الإصرار إلى رفع القضية مجدداً إلى محكمة التمييز بدمشق، ولكن هذه المرة "بجميع غرفها" لإصدار حكم بات. ولحل مشكلة نقص النصاب القانوني للقضاة الفرنسيين، تم انتداب قضاة فرنسيين من المحاكم اللبنانية، بتنسيق من رئيس وزراء لبنان آنذاك، إميل إده، الذي كان محامي أبناء الشقيق. في 28 يناير 1930، أصدرت محكمة التمييز بدمشق، بتشكيلتها الجديدة، حكمها النهائي المبرم بنقض حكم استئناف حلب للمرة الثانية، وإجبارها على تصفية التركة وفقاً للشريعة الإسلامية.
في 4 مايو 1931، أصدرت محكمة استئناف حلب حكمها النهائي وفقاً لتوجيهات محكمة التمييز. ورغم استبعاد الخط الأنثوي والأجانب، سطرت المحكمة في ديباجة حكمها نقداً لاذعاً للواقع التشريعي في سوريا تحت الانتداب، مشيرة إلى "النتائج المؤسفة" التي تؤدي إليها الشريعة الإسلامية في خلق عدم مساواة بين النساء والرجال، ومقارنة ذلك بالتوجه الحديث للقوانين المساواة بين الجنسين. اعترف القضاة بـ "الاستسلام المرير" لتطبيق القانون المعمول به مهما بدا قاسياً.
في 6 فبراير 1930، أصدر رئيس مجلس الوزراء السوري، الشيخ تاج الدين الحسني، قراراً ينص على أن "اختلاف الجنسية ليس مانعاً من حقوق الإرث"، لكنه لم يطبق بأثر رجعي على تركة غزالة. وفي النهاية، ذهبت أموال خالهم نهائياً إلى أبناء شقيقه.
بعد استنفاد سبل التقاضي المحلية، رفعت مارغريت ساجياتي ونصري دلال التماساً إلى لجنة الانتدابات في عصبة الأمم بجنيف. بررت فرنسا تدخلها بأنه كان ضرورياً لـ "حماية النظام العام"، ودافعت عن استدعاء القضاة من لبنان. في تقريره بتاريخ 26 يونيو 1933، أشار العضو السويسري وليام رابار إلى مسؤولية فرنسا عن التقاعس التشريعي، وأن القانون المطبق كان "متعارضاً بوضوح مع مبدأ المساواة في الحقوق".
رغم رفض الالتماس شكلاً، تبنى مجلس عصبة الأمم قراراً في 28 سبتمبر 1933، أدان فيه فرنسا سياسياً وأخلاقياً لعدم تطبيقها مبدأ المساواة في الحقوق. وتؤكد هذه الوثائق التاريخية على أهمية قراءة الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وكيف أُديرت الأزمات المشابهة في تشكيل آليات اتخاذ القرار حتى يومنا هذا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة