سياسة

سوريا وأزمة السيادة: أين تكمن قوة الدولة الحقيقية؟

enabbaladi.net٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:٢١ ص2 مشاهدة
سوريا وأزمة السيادة: أين تكمن قوة الدولة الحقيقية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أزمة السيادة في سوريا.. أين الدولة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتساءل السوريون باستمرار: أين الدولة حين تشتد الحاجة إليها؟ فالسيادة ليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات أو اعترافات دولية تُعلق على الجدران، بل هي القدرة الفعلية للسلطة على حماية الأرض، وصون القرار الوطني، وضمان أمن المواطن، والسيطرة على السلاح والموارد تحت مظلة القانون. وعندما نقيس وضع سوريا الحالي بهذا المعيار، فإن النتائج تكون مقلقة للغاية. فالحدود، والسلاح، والسماء، والعملة، كلها حقوق قانونية تتآكل بفعل الممارسات اليومية. هذا لا يعني بالضرورة فقدان الدولة لسيادتها بالكامل، ولكنه يضع السلطات أمام مسؤوليات جسيمة لا يمكن التهرب منها.

أولى هذه التحديات تتعلق بالحدود. كيف يشعر المواطنون في القرى الحدودية وهم يرون الآليات الإسرائيلية تتحرك بحرية أمامهم وبين قراهم، بينما يقتصر رد فعل السلطة على الإدانة المتأخرة؟ هذا الوضع يولد قلقًا دائمًا على أمنهم وحرية تنقلهم. فالبيانات الرسمية لا ترسم خطوط سيطرة ولا تردع أي جهة. ولتحقيق حماية حقيقية، يجب توثيق الانتهاكات واللجوء إلى المؤسسات الدولية، وبناء مؤسسة أمنية لسد الفراغ الذي تستغله قوات الاحتلال. وفي المقابل، فإن ضبط الحدود لا يعني تحويلها إلى مناطق مغلقة أو معاملة سكانها كمشتبه بهم، بل يجب الحفاظ على حقوقهم وضمان أمن تلك المناطق ضمن إطار القانون.

التحدي الثاني يتمثل في اختراق الأجواء السورية من قبل سلاح الجو الإسرائيلي ليلًا ونهارًا، وأخيرًا الأردني، مما يجعل السماء السورية تبدو مباحة بلا رادع أو إجراء يردع هذه الاختراقات. وعلى الرغم من اختلال موازين القوى، فإن العجز عن منع هذه الضربات أو رفع ثمنها يفرغ السيادة الجوية من مضمونها. والمطلوب هنا هو وضع استراتيجية دفاعية بعيدة المدى لإعادة بناء الجيش السوري على أسس مهنية وطنية، إلى جانب تطوير منظومات الاستطلاع الجوي والإنذار المبكر، مع تحرك دبلوماسي وقانوني مستمر لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية والأردنية.

أما فيما يتعلق بالسلاح، وهو الامتحان الأصعب لأنه يمس استقرار حكم الدولة، فلا يكفي القول بأن قرار القوة أصبح واحدًا. فالسيادة لا يمكن أن تكون واحدة بعد سنوات من الحرب وتعدد الفصائل التي تتنازعها الولاءات لدول مختلفة. ولا يمكن للمواطن أن يشعر بالأمان في دولة لا تملك وحدها قرار السلاح. الحل يكمن في تشكيل قيادة وطنية موحدة لجميع التشكيلات، وجيش مهني يقوده كفاءات مؤهلة. كما يجب تشكيل أجهزة أمنية خاضعة للقانون، ووضع خطة معلنة لجمع السلاح غير المرخص. إن تطبيق القانون على فئة دون أخرى، واستبدال الولاء الفصائلي بالولاء لفئة دينية، لن يؤدي إلى احتكار حقيقي للسلاح، بل سيؤجل الانفجار ويهدم ما تبقى من ثقة المواطنين بالسلطة.

وتبقى العملة هي الوجه الاقتصادي للسيادة. إذا سألنا أي صاحب محل أو سائق أجرة عن العملة التي يحسب بها تكاليفه ويحفظ بها مدخراته، سنعرف الإجابة فورًا. فانتشار الدولار في التسعير والادخار وبعض المعاملات يعكس خيار ثقة قبل أن يكون خيارًا اقتصاديًا. والمواطن الذي يهرب من ليرته هو بمثابة تصويت يومي بعدم الثقة. السؤال المطروح هو: هل تستطيع السياسات المالية والنقدية استعادة الثقة بالليرة، ووضع قواعد واضحة للتحصيل والتسعير، ومكافحة التضخم، ورفع الأجور؟ إن إصدار ليرة جديدة هو خطوة مهمة، لكنها ستبقى إجراءً شكليًا ما لم تسندها سياسات شفافة تقنع الناس بالتخلي عن الدولار.

من هذه الملفات المعقدة، يمكن استنتاج أن ضعف الدفاع يغري بالانتهاك، وفوضى السلاح تشل القرار الداخلي، والاضطراب الاقتصادي يخنق قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها. إذا قلنا إن سوريا “بلا سيادة”، فهذا يعبر عن غضب مشروع، لكن هذا الغضب يخلط بين فقدان السيادة القانوني وتراجع القدرة على ممارستها. الأدق هو أن البلاد تعيش أزمة سيادة حقيقية، وهذه الأزمة لا تعالج بخطاب يكتفي بالتنديد أو بتبرير العجز بالظروف، بل بخطة معلنة وأهداف قابلة للقياس. ولا تستعاد هذه المقومات بقرار منفرد أو بخطب رنانة وترندات فيسبوكية فارغة، بل تحتاج إلى ترتيب الأولويات وإدارة صارمة للموارد. فإعادة بناء الدفاع الجوي مكلفة وتستغرق سنوات، لكن ذلك لا يعفي الحكومة من نشر تصور معلن وطلب دعم تقني مشروع وتعزيز الرصد والحماية المدنية. كما أن حماية الحدود تتطلب تفاوضًا متواصلًا مع الأطراف الدولية. ويقتضي توحيد السلاح ضمانات عادلة للمناطق والمقاتلين كي لا يتحول الدمج إلى إقصاء أو انتقام. فالسيادة قرار مستقل يعي موازين القوة بدقة، وهذا لا يعني الادعاء بالاستغناء عن العالم.

خلاصة القول، إن سياسة الغموض وترحيل الأزمات والالتفاف عليها التي تمارسها السلطة الانتقالية لن تجدي نفعًا. وعليها أن تكف عن هذه الأساليب، وتصارح السوريين بحدود قدراتها، وأن تعلن أولوياتها وجدولها الزمني، وأن تقبل المساءلة العلنية. ولن ينجح ذلك دون مؤسسات شفافة، وقضاء مستقل، ورقابة على الإنفاق، ودون خبراء ومجتمع يشاركون في تقييم الأداء. فالمساءلة لا تنتقص من هيبة الدولة بل تمنحها شرعية متماسكة. والسيادة ليست دعوة إلى حرب غير محسوبة ولا امتيازًا للحكومة، بل هي مسؤولية لحماية الناس وصون أرواحهم ومواردهم وإخضاع الجميع للقانون. ولن يشعر السوريون بأن دولتهم تستعيد سيادتها بالشعارات الرنانة، بل حين تتراجع الانتهاكات، ويصبح السلاح تحت قيادة مهنية شرعية، وتستعيد الليرة ثقة الناس. وتبدأ الاستعادة بالاعتراف بالفجوة بين الشعب والسلطة، ثم ببناء مؤسسات تسد هذه الفجوة. أما إنكار الواقع أو التسليم بالعجز فلن يحميا الأرض ولا السماء ولا الاقتصاد. فالسيادة لا تُمنح هبة، بل تُنتزع بالعمل وتُحمى بالمحاسبة.

شارك الخبر: