مقهى الكمال الدمشقي: ذاكرة المدينة الحية وملتقى الأجيال


هذا الخبر بعنوان "مقهى “الكمال”.. صندوق ذكريات دمشق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تموز ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب دمشق، وتحديدًا في شارع المتنبي، يتربع مقهى "الكمال"، الذي يطلق عليه زبائنه اسم "مقهى الفقراء". يقع المقهى بين سينما "الكندي" ومدرسة "جودت الهاشمي"، ويحمل في طياته تاريخًا عريقًا وذكريات لا تُنسى.
ببساطة أثاثه المتمثل في طاولات صغيرة وكراسي خشبية قديمة، وأكواب الشاي المنتشرة، كان "الكمال" شاهدًا على تحولات سوريا على مر قرن من الزمن. تأسس المقهى في مطلع القرن العشرين، واشتهر في خمسينياته كملتقى للشباب السوري "المثقف".
يتألف المقهى من قسمين: قسم شتوي مغلق بنوافذ تطل على الشارع، يحافظ على طابعه القديم، وقسم صيفي مكشوف بطاولات حجرية بجانب "البحرة" ومقاعد خشبية على الطراز الدمشقي القديم.
يروي عاطف سكيكر (77 عامًا) لعنب بلدي ذكريات النشاط السياسي لوالده في ستينيات القرن الماضي، والذي ارتبط بمقهى "الكمال". ويقول: "كنا شبابًا متحمسين، نجلس مع والدي وأصدقائه، أعضاء الحزب (الشيوعي السوري)، على هذه الكراسي المهترئة في (الكمال)، نستمع إلى الأخبار والنقاشات السياسية التي شكلت جزءًا من ذاكرتنا".
ويضيف أن رمزية المكان كانت تجسد الطبقة الكادحة والفقراء، نظرًا لبساطته وأسعاره المنخفضة. لا يزال عاطف سكيكر يرتاد المقهى بشكل شبه يومي بعد تقاعده، للعب "طاولة الزهر" ومناقشة الأوضاع في سوريا مع أصدقائه المتقاعدين.
في الفترة بين الأربعينيات والستينيات، كان "الكمال" مركزًا ثقافيًا وسياسيًا هامًا، حيث كان أبناء دمشق يتبادلون الآراء حول قضايا سوريا. ويشير المؤرخ نعمان قساطلي إلى أن الحلقات الحزبية والندوات الثقافية كانت حاضرة في المقهى.
ويذكر المؤرخ نعمان قساطلي في كتابه "الروضة الغنّاء في دمشق الفيحاء" أن الأديب معروف الأرناؤوط كتب روايته الشهيرة "سيد قريش" على طاولات مقهى "الكمال".
تغير رواد المقهى تدريجيًا من كبار السن المتقاعدين إلى جيل الشباب، والكتاب، والصحفيين، وحتى المشاهير. ورغم ظهور المقاهي الحديثة، لا يزال "الكمال" وجهة للعديد من الشباب، كما أصبح يرتاده النساء، مما يعكس تغيرًا في الأنماط الاجتماعية.
ترى رنا الحلبي، إحدى رواد المقهى، أنه ليس مجرد مقهى، بل "صندوق ذكريات سوريا" وإرث مثقفي الجيل الماضي الذي يجب الحفاظ عليه، خاصة في ظل التطورات التي تشهدها سوريا.
وتأمل رنا أن يعود المقهى مركزًا للنشاط السياسي والثقافي بعد سقوط النظام في سوريا، بدلًا من لعب النرد والورق.
يحافظ مقهى "الكمال" على أسعاره المتواضعة رغم ارتفاع الأسعار والتضخم، ويعتبر من أرخص المقاهي في سوريا. وبالإضافة إلى أسعاره المنخفضة، يقدم المقهى مشروبات غازية بعبوات زجاجية، إضافة إلى نرجيلة "التنباك" التي لا تقدم إلا فيه.
يتفق عاطف سكيكر ورنا الحلبي على أن التوازن بين الجودة والتكلفة المنخفضة هو ما جعل "الكمال" مقهى "الفقراء" أو "مقهى الطبقة الكادحة".
ويأمل عاطف ورنا ألا يلقى "الكمال" مصيرًا مشابهًا لمقهى "الحجاز" التاريخي الذي هُدم في عام 2021 لتنفيذ مشروع سياحي.
سياسة
منوعات
سياسة
ثقافة