ورشة دمشقية تحيي فن الموزاييك: قصة جيلين يحافظان على تراث الأجداد


هذا الخبر بعنوان "بين جيلين.. ورشة صغيرة تحرس سر الموزاييك الدمشقي" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آب ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في زقاق ضيق بمنطقة جسرين في الغوطة الشرقية، تستمر ورشة عريقة في الحفاظ على فن الموزاييك الدمشقي، حيث يواصل أبو سعيد غنون، الخمسيني، رحلته الطويلة في هذه الحرفة اليدوية. ورث أبو سعيد المهنة عن عمه منذ عام 1985، وحوّل الورشة إلى ملتقى يجمع بين عبق الذاكرة الدمشقية وطموحات جيل جديد يسعى لإحياء هذا التراث المهدد بالاندثار.
يقول أبو سعيد، وهو يتأمل أدواته المتواضعة: "تعلمت هذه الصنعة من أبي، وكنت شابًا يافعًا لم أدرك أنني سأقضي حياتي بين الخشب والنقوش. اليوم، أشعر بمسؤولية كبيرة، فالموزاييك ليس مجرد مهنة، بل هو جزء لا يتجزأ من روح دمشق".
بين جدران هذه الورشة، وجد الشاب محمد أبو شاهين ضالته في الإبداع. فالحرب التي قلبت حياته رأسًا على عقب، وحرمته من إكمال دراسته في درعا، دفعته للعمل في مهن مختلفة داخل سوريا وخارجها. ولكن في عام 2019، وبعد عودته من تركيا، دخل إلى ورشة "أبو سعيد" بالصدفة، ليكتشف أن فن الموزاييك قادر على منحه معنى جديدًا للحياة.
يروي محمد: "لم يكن هذا الفن ضمن اهتماماتي أبدًا، ولكن عندما أمسكت بأول قطعة خشب، شعرت أنني أستعيد ما فقدته. كل نقشة أنجزها تجعلني أولد من جديد".
يعتمد فن الموزاييك الدمشقي على أخشاب الجوز والسرو والزان والصنوبر، ويتطلب صبرًا طويلًا ودقة فائقة، بالإضافة إلى لمسة إبداعية تفتح المجال لتصاميم مبتكرة. أبو سعيد، بخبرته التي تمتد لأربعة عقود، علّم تلميذه الصبر على تفاصيل الخشب، بينما أخذ محمد على عاتقه مهمة التجديد والخروج عن المألوف. معًا، يعملان على ابتكار نقوش لم تُنفذ منذ عقود، في محاولة لإعادة إحياء هذا الفن.
وعلى الرغم من أن الأسواق لا تزال تعرض بعض القطع الصغيرة كهدايا وصناديق خشبية مزخرفة، إلا أن صناعة الأثاث الكبير من الموزاييك تكاد تختفي، مما يجعل عملهما أقرب إلى مهمة إنقاذ لتراث يواجه خطر الاندثار. يؤكد أبو سعيد أنه بالكاد يوجد أربعة أو خمسة حرفيين يتقنون فن الموزاييك الدمشقي.
لم يكن الطريق ممهدًا، فالإقبال الضعيف على الموزاييك بسبب الأزمة الاقتصادية وغياب السياحة أدى إلى تراجع الطلب بشكل كبير. يوضح أبو سعيد أن "المهنة كانت تعتمد بشكل أساسي على السياح الأجانب، أما اليوم فالناس بالكاد يؤمنون احتياجاتهم الأساسية".
لكن محمد رفض الاستسلام، فإلى جانب تعلم الحرفة، بدأ بترميم القطع القديمة وإعادة الحياة إليها، ليمنحها قيمة إضافية. بالنسبة له، الموزاييك يشبه الذهب: كلما مرّ عليه الزمن، ازداد جمالًا وقيمة.
اليوم، يقيم محمد في جرمانا مع أسرته الصغيرة، بينما يواصل أبو سعيد عمله في جسرين، محاطًا بذكريات والده وأصوات تلاميذه الذين مروا من هنا. الورشة ليست مجرد مكان للعمل، بل هي فضاء يلتقي فيه الماضي بالحاضر، والخبرة بالشغف، ليصنعا معًا قصة إنسانية عن التمسك بالحياة رغم كل ما خلفته الحرب.
يختتم أبو سعيد قائلًا: "كل قطعة موزاييك تحمل حكاية، وأتمنى أن يجد هذا الفن من يحمله بعدنا، فدمشق لا تكتمل من دون شرقياتها". أما محمد، فيبتسم بثقة وهو يتأمل قطعة جديدة بين يديه: "أردت أن أثبت أن شباب سوريا قادرون على الإبداع مهما كانت الصعاب". بين الشيخوخة والشباب، تبقى ورشة جسرين شاهدة على أن الموزاييك ليس مجرد حرفة خشبية، بل رسالة أمل وصمود، وجسر يربط ذاكرة الأجداد بأحلام الأبناء.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
ثقافة