الجمعة, 29 أغسطس 2025 03:12 AM

القطاع المصرفي الخاص في سوريا: قيود مشددة وخدمات متوقفة تعيق التعاملات المالية

القطاع المصرفي الخاص في سوريا: قيود مشددة وخدمات متوقفة تعيق التعاملات المالية

يبدو القطاع المصرفي الخاص في سوريا اليوم أشبه بـ "هيكل جامد" بدلًا من شبكة مالية نابضة بالحياة. فقد تحولت البنوك الخاصة من مؤسسات تقدم خدمات متنوعة للمواطنين إلى كيانات محدودة القدرات، تعاني من قيود على السيولة وتعليق لمعظم عمليات التحويل والدفع. يسلط هذا الواقع الضوء على التأثير المباشر للأزمات الاقتصادية والسياسية على القطاع المصرفي، ويكشف عن فجوة كبيرة بين الخدمات المفترضة والمتاحة فعليًا للمودعين.

من خلال متابعة أداء أربعة بنوك خاصة رئيسية هي: بنك البركة، بنك بيمو السعودي الفرنسي، بنك الأردن في سورية، وبنك QNB، يتضح المشهد المالي السوري كصراع بين القيود الصارمة على فتح الحسابات، والرسوم المرتفعة، وضعف الخدمات الأساسية مثل السحب والتحويل والدفع التجاري.

بنك البركة: خدمات محدودة وإيداعات أولية عالية

لفتح حساب في بنك البركة، يطلب البنك مستندات أساسية مثل بطاقة شخصية (هوية) أو إخراج قيد، بالإضافة إلى رسوم فتح حساب بقيمة 100 ألف ليرة سورية. كما يشترط البنك إيداع مبلغ 2 مليون ليرة سورية عند فتح الحساب، وهو مبلغ كبير مقارنة بالقدرة الشرائية اليومية للمواطنين.

الخدمات المالية المتاحة محدودة للغاية:

  • يمكن إجراء تحويلات مالية داخل سوريا فقط.
  • استقبال الأموال من الخارج ممكن، أما التحويلات الخارجية فغير متاحة حاليًا.
  • استخدام الصراف الآلي محدود؛ السحب يتم فقط لصالح الرواتب.
  • البطاقة البنكية صالحة للدفع في بعض المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية، لكن نطاق الاستخدام ضيق للغاية، ويعتمد على مدى قبول هذه المتاجر للبطاقات.

يواجه المواطن تحديًا يوميًا في إدارة أمواله، حيث يضطر للذهاب شخصيًا إلى الفروع لاستلام الأموال أو التعامل مع التحويلات، في ظل غياب الخدمات الإلكترونية الفعالة.

بنك بيمو السعودي الفرنسي: شروط صارمة وقيود على العمليات

يمثل بنك بيمو السعودي الفرنسي نموذجًا آخر للقيود المشددة في القطاع المصرفي، حيث لا يمكن فتح حساب دون تقديم:

  • إثبات عمل إلزامي.
  • سند إقامة.
  • بطاقة شخصية أو إحضار ضبط شرطة مع إخراج قيد في حال عدم وجود الهوية.

الإيداع الأولي والرسوم مرتفعة أيضًا:

  • مبلغ 3 ملايين ليرة سورية إيداع أولي.
  • 13,200 ليرة سورية رسوم فتح الحساب.
  • 11,600 ليرة سورية رسوم طلب البطاقة.

البطاقات وأنواعها

  • عادية: رسوم سنوية 35 ألف ليرة سورية.
  • ذهبية: رسوم سنوية 75 ألف ليرة سورية.
  • بلاتينية: رسوم سنوية 100 ألف ليرة سورية.

مع ذلك، معظم مزايا هذه البطاقات معطلة حاليًا:

  • يمكن السحب يوميًا من صرافات البنك حصراً بمبلغ 100 ألف ليرة سورية فقط.
  • الدفع في المحلات التجارية ممكن بشرط ألا يتجاوز المبلغ 100 ألف ليرة سورية.
  • عمولة إدارة الحساب الشهرية تبلغ 7,000 ليرة سورية.
  • التحويلات الخارجية واستقبال الأموال عبر نظام السويفت متوقفان حاليًا.

بنك الأردن في سورية: توقف الحسابات بالدولار وخدمات متعثرة

حتى وقت قريب، كان بإمكان العملاء فتح حساب بالدولار بوديعة قدرها 200 دولار، أو بالليرة السورية بوديعة 1.5 مليون ليرة سورية. اليوم، فتح الحساب بالدولار متوقف تمامًا، فيما فتح الحساب بالليرة السورية فقط متاح مع:

  • إحضار بيان عمل.
  • بطاقة شخصية أو إخراج قيد مع جواز السفر.

قيود العمليات والخدمات

  • يمكن للعميل استقبال وإرسال الأموال إلى الخارج فقط إذا كان لديه حساب مفتوح في فرع عمان، لكن نظام SWIFT متوقف حاليًا.
  • السحب من الصرافات أصبح مقتصراً على صرافات البنك نفسه، بعد أن كان ممكناً عبر جميع الصرافات الأخرى.
  • عمولة إدارة الحساب الشهرية تبلغ 10,000 ليرة سورية.
  • عمليات الدفع في المحلات التجارية تعتمد على قبول المتجر للبطاقة البنكية، لكن معظم الإجراءات متوقفة بسبب نقص السيولة.

بنك QNB: نظام الباركود وقيود شاملة

يشترط بنك QNB أن يمتلك العميل بطاقة شخصية سورية تعمل بنظام الباركود، وهو شرط أساسي لفتح حساب.

الإيداعات

  • 3 ملايين ليرة سورية لفتح حساب بالليرة.
  • 2,000 دولار أمريكي لفتح حساب بالدولار.

الخدمات المتاحة

  • التحويلات متاحة فقط إلى الخارج، ولا يُتاح استقبال الأموال.
  • السحب محصور بفروع البنك حصراً، إذ إن بطاقات فيزا وماستر كارد غير مفعّلة داخل سوريا.
  • لا يمكن استخدام البطاقة في المحلات التجارية.
  • عمولة إدارة الحساب الشهرية تبلغ 12,000 ليرة سورية.

تجربة بنك بيمو: قبل وبعد 8 كانون الأول 2024

قبل سقوط نظام الأسد

كان بنك بيمو يقدّم مجموعة واسعة من الخدمات:

  • التحويلات عبر شركتي الهرم والفؤاد.
  • دفع أقساط مدرسية وجامعية إلكترونياً.
  • تسديد فواتير الكهرباء والماء والإنترنت والنقل.
  • دفع رسوم حكومية: مرور، جوازات، سجل عدلي، ضرائب مالية.
  • نقاط الدفع المباشر: مطاعم، كافيهات، سوبرماركت، محلات ألبسة، مراكز صحية، مكتبات، شركات سياحية ومجوهرات.

البطاقات والصرافات

  • البطاقة العادية: سقف سحب يومي 150,000 ليرة سورية، رسوم 35,000.
  • البطاقة الذهبية: سقف 300,000، رسوم 75,000.
  • البطاقة البلاتينية: سقف 500,000، رسوم 100,000.

الصرافات كانت دائماً معبّأة، وسقف السحب الأسبوعي من داخل البنك 5 ملايين ليرة سورية.

بعد سقوط النظام

  • التحويلات توقفت تماماً.
  • الدفع الإلكتروني في المطاعم والمحلات توقّف بنسبة 95%.
  • ما بقي فعالاً: تسديد رسوم الجوازات، فواتير الكهرباء والماء والإنترنت، تعبئة رصيد MTN وSyriatel.

خلاصة: القطاع المصرفي الخاص في سوريا بين الجمود والقيود

المشترك بين جميع البنوك الخاصة السورية اليوم:

  • إيداعات أولية ضخمة (من 1.5 مليون حتى 3 ملايين ليرة أو آلاف الدولارات).
  • رسوم متعددة (فتح حساب، طلب بطاقة، إدارة شهرية).
  • خدمات محدودة أو شبه متوقفة: لا تحويلات خارجية، صعوبة السحب، دفع محدود في المحلات التجارية.
  • نقص السيولة: صرافات فارغة، سقوف سحب محدودة.

تجربة بنك بيمو قبل وبعد سقوط نظام الأسد تلخص حالة القطاع بأكمله: من شبكة مالية نشطة توفّر خدمات التحويل والدفع الإلكتروني والبطاقات الواسعة، إلى خدمات محدودة جداً، مع سيولة شبه معدومة وصعوبات يومية للمودعين.

في النهاية، تحولت البنوك الخاصة في سوريا من مؤسسات تهدف إلى تسهيل إدارة الأموال إلى "خزائن مقفلة"، تزيد تعقيد حياة المواطن وتضع أمواله تحت قيود صارمة، مع غياب شبه كامل للثقة.

مشاركة المقال: