الجمعة, 29 أغسطس 2025 08:25 PM

مأساة مينابوليس: مقتل طفلين وإصابة آخرين في إطلاق نار بمدرسة.. هل الدافع هوية وستمان الجنسية أم سهولة الحصول على السلاح؟

مأساة مينابوليس: مقتل طفلين وإصابة آخرين في إطلاق نار بمدرسة.. هل الدافع هوية وستمان الجنسية أم سهولة الحصول على السلاح؟

جهاد بزي: تجسدت المأساة الأميركية بأبشع صورها في مينابوليس بولاية مينيسوتا، حيث وقع ما يسمونه في الولايات المتحدة "إطلاق نار جماعي". هذا الوباء الأميركي المزمن يجعل الأميركيين يتساءلون ليس متى سيشفى بلدهم منه، بل أين ستقع المأساة التالية، ومتى، وكم ستزهق من أرواح.

في تمام الساعة الثامنة والربع صباح الأربعاء، وخلال صلاة الصباح الجماعية للتلاميذ في كنيسة مدرستهم الكاثوليكية الخاصة، اخترقت الرصاصات النوافذ باتجاههم، مما أسفر عن مقتل طفلين، أحدهما في العاشرة من عمره والآخر في الثامنة. كما أصيب 17 شخصًا آخر، بينهم 14 قاصرًا وثلاثة بالغين مسنين. تضم المدرسة صفوفًا من الحضانة حتى الصف الثامن، مما يعني أن أكبر التلاميذ لم يبلغ الثالثة عشرة بعد. كانت الصلاة على نية العام الدراسي الذي بدأ لتوه.

أنهى مطلق النار حياته في مكان جريمته، وبنفس السلاح. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً قبل التعرف عليه: روبين وستمان (23 عامًا)، المولود روبرت، قبل أن يغير اسمه رسميًا بعد أن بدأ يعرف عن نفسه بأنه أنثى. لم يبخل وستمان بالمعلومات، إذ ترك بصمة طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديو وصور ومنشورات وغيرها، آخرها ما يشبه بيان الوداع. في رسالته الطويلة، لا يبدو وستمان غاضبًا من أحد بالتحديد. بل مدح والديه وإخوته وأصدقائه، واعتذر منهم مرارًا وتكرارًا لأنه فعل ما فعل. ووصف أفراد عائلته بالرائعين، وقال إنه سيكون أنانيًا ويتركهم "ليلملموا القطع"، أي عواقب ما فعله عليهم. لم يذكر سببًا مباشرًا لقراره إنهاء حياته بهذه الطريقة، أي بعد هجوم على أطفال مدرسة. أراد فقط الهروب من العالم والفواتير والوظائف السيئة وظلم أميركا. هو "يظن" أنه مصاب بسرطان الرئة في مرحلة متقدمة منه، بسبب الآلام التي يحس بها، ولا يريد التعفن في المستشفيات؛ لذا يريد أن يغادر بطريقته الخاصة عبر تنفيذ "المشهد الأخير" الذي يدور في رأسه منذ سنوات، وهو مشهد المدرسة الذي لم يأت على ذكره في رسالته المكتوبة بخط اليد في دفتر ملاحظات نشره على وسائل التواصل قبل إزالته لاحقًا. في الدفتر، وعلى مخازن رصاص الرشاشات، يبدو معادياً بشدة لليهود ودونالد ترامب وإيلون ماسك؛ ومع أنه لا يحب "الملونين"، فإنه ليس مستعدًا لقتل نفسه من أجلهم.

وكما تتشتت معتقداته بين الشيء ونقيضه، لم يكن واضحًا سبب اختياره المدرسة التي تخرج فيها، وعملت فيها أمه لسنوات، كي تكون مسرحًا للدراما التي صنعها. هويته الجندرية لم تكن دافعًا أيضًا، لكنها، مضافة إلى ما سبق، فتحت أبواب الجدال بين المحافظين والليبراليين، كالعادة، وقبل أن يبرد دم الطفلين، أو يخف ألم أترابهما الجرحى. إعلام اليمين الأميركي ومؤثروه الكبار على وسائل التواصل ربطوا وثيقًا بين كون وستمان عابرًا جنسيًا، وبين القتل الجماعي، باعتبار الأمرين خللاً نفسيًا يؤدي أي منهما إلى الآخر. ومع إعلان كرهه لترامب، بات الديموقراطيون حكماً المتهم الأول عبر التحريض المتواصل ضده وضد ما ومن يمثل. لورا لومر، الإعلامية اليهودية الترامبية المتطرفة، أضافت الإسلام إلى لائحة المتهمين لأن القاتل الأبيض كتب "ما شا الله" بالحروف اللاتينية على مشط رصاص.

لجأ الديموقراطيون إلى الأرقام. بين عامي 2013 و2023، سجل 4400 إطلاق نار جماعي (أكثر من أربع إصابات ليُصنَّف الحادث هكذا)، أقل من عشرة من مطلقي النار كانوا من العابرين جنسيًا. المشكلة في سهولة شراء سلاح وامتلاكه. كل الأسلحة التي كانت بحوزة وستمان كانت شرعية ومرخصة. النقاش، إذن، يعود بين الطرفين إلى التعديل الثاني من الدستور الذي يضمن حق الأميركيين بالتسلح. وبسبب هذا التعديل، وبسبب بزنس السلاح الهائل الذي لم يهتز يومًا، هناك 500 مليون قطعة سلاح مرخصة مع المدنيين في أميركا، بينما هناك نحو 112 ألف مدرسة، أي أن هناك نحو خمسة آلاف سلاح لكل مدرسة. احتمال أن تُنكَب أي مدرسة بزائر صباحي معتوه ومسلح هو أكبر بمئات ملايين المرات من احتمال فوز الأميركي بجائزة اللوتو الكبرى. ومع أن مدارس البلاد تحولت بدرجات متفاوتة إلى حصون أمنية، ومع استمرار الصراع السياسي حيال كارثة هي في الأصل اجتماعية، سيبقى السؤال المرعب للأميركيين: أين المدرسة التالية؟ ومتى؟

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

مشاركة المقال: