السبت, 30 أغسطس 2025 11:42 PM

المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا: هل هو تمثيل حقيقي أم انعكاس لصراعات إقليمية؟

المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا: هل هو تمثيل حقيقي أم انعكاس لصراعات إقليمية؟

عبدالله سليمان علي: شكّل إعلان المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا، في 27 آب/أغسطس 2025، تطوراً ملحوظاً في المشهد السياسي ما بعد سقوط نظام الأسد في أواخر العام 2024. وقد خلّفت المجازر التي وقعت في ربيع وصيف هذا العام في الساحل السوري جرحاً عميقاً لدى الطائفة العلوية، التي وجدت نفسها في مواجهة فراغ سياسي وتمثيلي.

من هذا المنطلق، ظهرت محاولات متفرقة لتأسيس أطر جديدة، وكان هذا المجلس أبرزها حتى الآن، حيث قدم خطاباً يرتكز على الفيدرالية والعدالة الانتقالية، وسط رفض قاطع من السلطة المركزية لأي مشروع لا مركزي.

البيان التأسيسي الذي نشره المجلس عبر صفحاته الرسمية عرض رؤية شاملة، مفادها أن الفيدرالية هي الحل الأمثل باعتبارها الضمانة الوحيدة لتحقيق السلم الأهلي بعد فشل الدولة المركزية في إدارة النزاعات. وأكد البيان أن "السلام ليس غياب الحرب، بل جعله مستحيلاً"، مشدداً على أن الفيدرالية تعني استبدال القوة بالقانون. وحدد المجلس النطاق الجغرافي لعمله ليشمل اللاذقية وطرطوس وحمص وأجزاء من ريف حماة، موضحاً أن الانطلاق من المكوّن العلوي فرضته الظروف، لكنه لا يضفي على المجلس طابعاً طائفياً، مؤكداً أن الخطوة التالية ستكون الانفتاح على بقية المكوّنات.

سياسياً، اعتمد المجلس على القرار 2254 كأساس للحل، مطالباً بتطبيق مراحله: تشكيل هيئة حكم انتقالي خلال 18 شهراً، وضع دستور جديد، وإجراء انتخابات عامة. وأكد أن الصيغة الأنسب لسوريا هي الاتحاد الفيدرالي العلماني الديموقراطي، رافضاً "حكومة اللون الواحد". وفي مجال العدالة الانتقالية، قدم البيان قائمة طويلة من المطالب، من أبرزها: إحالة جرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، تشكيل محكمة خاصة بسوريا، ملاحقة قادة الفصائل المصنفة إرهابية، الإفراج عن المعتقلين والمغيبين، إعادة الموظفين المفصولين، ومنع التغيير الديموغرافي. كما شدد على الحقوق المدنية الأساسية مثل حرية الفكر والدين وحرية الصحافة والمساواة أمام القانون، وطرح رؤية اقتصادية تقوم على الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، داعياً الأمم المتحدة إلى اعتبار مناطق الوسط والغرب "مناطق منكوبة" تستحق الإغاثة وإعادة الإعمار.

ويقدم الدكتور صلاح نيوف، أحد أبرز مؤسسي المجلس، في حديث لجريدة "النهار"، توضيحات حول خلفيات التأسيس وأهدافه. ويؤكد أن المبادرة "محلية بالكامل ولم تُنسَّق مع أي طرف خارجي، لكنها قد تنفتح لاحقاً على التعاون الدولي". وعن التمويل، يشدد على أن المجلس "لا يتلقى أي دعم مالي حتى الآن"، واعداً بـ"الشفافية الكاملة". وفي مواجهة الانتقادات التي تصفه بأنه "علوي صرف"، يعتبر أن هذه الصورة "موقتة فحسب، إذ إن بعض المشاركين من مكونات أخرى طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم".

ويوضح نيوف أن المجلس ينطلق من منطق الإقليم الجغرافي لا من الطائفة، وأن من شروط تأسيسه "رفض الطائفية بشكل صارم". ويضيف أن أبناء الساحل "تعرضوا منذ 2011 لإقصاء سياسي ممنهج، إذ أُبعدوا عن مؤسسات المعارضة واتُّهموا جماعياً بالولاء للنظام، فيما فُرضت شخصيات فاسدة لتمثيلهم". ويرى أن المجلس جاء لتجاوز هذا الإرث وفتح الباب أمام شراكة واسعة مع جميع المكوّنات، واعداً بخطوات عملية وبتعاونات محلية في مدن عدة قريباً، وصولاً إلى بناء منصة سياسية مدنية علمانية تعبر عن مصالح الإقليم لا عن مكوّن واحد.

إن ظهور المجلس لا يمكن فصله عن موجة أوسع تشهدها سوريا منذ سقوط الأسد. ففي السويداء ارتفعت أصوات تطالب بحق تقرير المصير أو باللامركزية السياسية، وفي الشمال الشرقي تواصل "قسد" الدفع بمشروعها الفيدرالي، وداخل الطائفة العلوية نفسها أُعلن مطلع 2025 عن تأسيس "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى" كإطار ديني تمثيلي. ولا يُستبعد أن يكون تزامن هذه المبادرات انعكاساً لتجاذبات إقليمية، إذ يرى بعض المراقبين أن الساحل قد يتحول إلى ساحة تنافس بين تركيا وإسرائيل؛ فأنقرة تسعى إلى توسيع نفوذها بعد ترسيخ حضورها في الشمال، بينما تنظر تل أبيب إلى أي إعادة ترتيب في الساحل باعتبارها جزءاً من أمنها في شرق المتوسط. هكذا، يمكن قراءة بعض هذه الكيانات ليس فقط كاستجابة لأزمات داخلية، بل أيضاً كمرآة لصراع النفوذ الخارجي.

في هذا السياق، لا يُعدّ المجلس السياسي الجديد استثناءً، بل جزءاً من توجه أوسع نحو كسر مركزية دمشق. لكنه يواجه عقبات جدية: رفض السلطة المركزية بقيادة الرئيس أحمد الشرع لأي مشروع فيدرالي، التعقيدات الديموغرافية حيث يشكّل العلويون أقلية في بعض المناطق التي يطالب بها المجلس، ضعف التأييد الشعبي كونه انطلق من نخب في الخارج، إضافة إلى انقسامات داخلية ظهرت مبكراً عبر أصوات ناقدة تتهم بعض مؤسسيه بإرث مرتبط بالنظام السابق أو بخلافات شخصية.

ويطرح المجلس نفسه كممثل جديد لإقليم الساحل في مواجهة محاولات أخرى مثل مبادرة رامي مخلوف القائمة على "الحماية الروسية". الفارق أن المجلس يتحدث بلغة القانون الدولي والفيدرالية، فيما يتحدث مخلوف بلغة النفوذ العائلي والدعم الخارجي. ويبقى نجاح المجلس رهناً بقدرته على توسيع تحالفاته الداخلية وكسب ثقة السكان، وكذلك إقناع المجتمع الدولي بأنه طرف جدي في مستقبل سوريا.

في المحصلة، قد يشكّل المجلس بوابة لتمثيل جديد وبديل إذا تحوّل من بيان نخبوي إلى حركة سياسية شعبية، وإلا فسيظل مجرد رمز إضافي في تاريخ طويل من محاولات البحث عن تمثيل خارج ظل الأسد.

أخبار سوريا الوطن-وكالات-النهار

مشاركة المقال: