سوريا في مرمى الاستخبارات: كيف فاقمت حرب الظل التحديات الأمنية بعد الأسد؟


هذا الخبر بعنوان "حرب الظل في دمشق.. من لغز أرشيف كوهين إلى جواسيس الثورة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع سقوط نظام بشار الأسد، دخلت سوريا حقبة جديدة مليئة بالتحديات الأمنية المعقدة وغير المسبوقة. لم يعد المشهد الأمني مقتصرًا على ديناميكيات الصراع الداخلي التقليدية، بل اتسع ليشمل اختراقات استخباراتية وعمليات سرية أثرت بشكل كبير على الوضع العام في البلاد. هذه الاختراقات، وخاصة تلك المنسوبة للموساد الإسرائيلي، تسلط الضوء على نقاط ضعف أمنية عميقة وتداعيات محتملة على مستقبل سوريا.
أحد أبرز الأحداث الأمنية التي أعقبت سقوط نظام الأسد هو إعلان الموساد الإسرائيلي عن استعادة ما يقرب من 2500 وثيقة وصورة ومقتنيات شخصية تعود للجاسوس الشهير إيلي كوهين. أثارت هذه العملية السرية جدلاً واسعًا وتساؤلات حول كيفية تمكن الموساد من اختراق الأرشيف السوري الذي كان يُعتقد أنه محصّن. تباينت التحليلات والتكهنات حول كيفية وصول الموساد إلى هذه الوثائق الحساسة، ومن بين هذه التحليلات:
إن الاختراقات الأمنية المتتالية، سواء كانت المتعلقة بوثائق كوهين أو بحماية المسؤولين المتهمين بجرائم حرب أو من خلال الخلايا التي أنشأها الموساد من أفراد داخل مؤسسات الثورة، تشير إلى تدهور كبير في الأجهزة الأمنية السورية بعد سقوط نظام الأسد. يمكن تحديد مؤشرات هذا التدهور الأمني وعواقبه على الأمن الداخلي والخارجي بما يلي:
إن استمرار الثورة السورية لأكثر من عقد أدى إلى انهيار البنية التحتية الأمنية والاقتصادية للبلاد. وبعد سقوط نظام الأسد، تزايدت التحديات الأمنية بسبب تشرذم الفصائل المسلحة وتواجد قوات أجنبية وتداعيات النزاعات الإقليمية والعدد غير المعروف من شبكات التجسس التي ارتبطت بأجهزة مخابرات إقليمية ودولية وعربية. الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد انهارت بالكامل في عام 2024، واستدعت هيئة تحرير الشام جهاز الأمن العام من إدلب للحفاظ على الأمن والنظام في المدن المحررة. هذا الجهاز يحتاج إلى الكثير من التدريب والخبرة الأمنية للتعامل مع المستجدات التي طرأت على مهامه التي كان ينفذها داخل إدلب.
لطالما كانت سوريا قبل سقوط نظام الأسد بيئة معقدة للعمليات الاستخباراتية. ومع ذلك، فإن الطبيعة والمدى والتداعيات لهذه الاختراقات قد تغيرت بشكل كبير بعد كانون الأول 2024. يمكن تقديم مقارنة تحليلية لهذا التبدل من جهة طبيعة الاختراقات الاستخباراتية قبل سقوط الأسد، حيث ركزت على التجسس التقليدي وجمع المعلومات وعمليات التأثير السياسي. أجهزة الأمن السورية كانت تعتبر قوية ومحكمة مما جعل الاختراق صعبًا لكن ليس مستحيلًا (مثال: إيلي كوهين في الستينيات).
أما بعد سقوط الأسد، تنوعت الاختراقات لتشمل استعادة وثائق حساسة وحماية مسؤولين متهمين بجرائم حرب واستغلال الفوضى لعمليات عسكرية مباشرة بسبب ضعف أجهزة الأمن السورية الذي جعلها أكثر عرضة للاختراق.
من ناحية أهداف الموساد، كان يركز على جمع المعلومات عن القدرات العسكرية السورية والنوايا السياسية وتطوير برامج الأسلحة ومحاولات للتأثير على السياسات الداخلية عبر العملاء. أما بعد سقوط الأسد، استعاد الموساد الأرشيفات الهامة (مثل وثائق كوهين)، كما قام بحماية أصول استخباراتية سابقة (مثل خالد الحلبي) واستغلال ضعف السيطرة الحدودية لتنفيذ عمليات عسكرية وزيادة النفوذ.
أما من ناحية الأمن الداخلي السوري، فقبل سقوط الأسد كان النظام أمني استبدادي قوي يعتمد على المراقبة الشاملة والحواجز الأمنية المنتشرة وقمع أي معارضة له، حيث أعطي هذا النظام انطباعًا بالتحكم المحكم لكنه كان يعتمد على الخوف. أما بعد سقوط نظام الأسد، فقد حدثت فوضى أمنية واسعة وانهيار بالأجهزة الأمنية السابقة وظهور قوى أمنية جديدة (مثل الأمن الداخلي) وصعوبة في بسط السيطرة الكاملة على جميع المناطق واستمرار حوادث الاختطاف والاعتقال.
من ناحية التعاون الدولي في مكافحة الجريمة، كان قبل سقوط نظام الأسد محدودًا جدًا وغالبًا ما يكون سريًا ومعقدًا بسبب العلاقات المتوترة مع العديد من الدول خاصة الغربية. أما بعد سقوط نظام الأسد، نرى انفتاح أكبر على التعاون مع منظمات دولية ومحققين دوليين لملاحقة المسؤولين المتهمين بجرائم حرب.
من ناحية التداعيات على السيادة الوطنية، كانت الاعتداءات الإسرائيلية تتم بشكل متقطع ومحدود مع إنكار سوري ومحدودية القدرة على الرد. أما بعد سقوط نظام الأسد، نرى تآكل كبير للسيادة مع ازدياد العمليات الأجنبية سواء من الموساد أو غيره من القوى الإقليمية والدولية التي تستغل الفراغ الأمني.
إن المشهد الأمني في سوريا بعد سقوط نظام الأسد يعكس تحولًا جذريًا في طبيعة التحديات والاختراقات. من استعادة الموساد لوثائق إيلي كوهين السرية في عملية معقدة أثارت جدلًا واسعًا حول مدى ضعف تحصين الأرشيف الحكومي، إلى الكشف عن هروب كبار المسؤولين الأمنيين المتهمين بجرائم حرب وتورط الموساد في حماية بعضهم، تتجلى صورة واضحة للفوضى والتفكك الأمني. هذه الأحداث لا تسلط الضوء فقط على قدرات العمليات الاستخباراتية الأجنبية في بيئة مضطربة، بل تكشف أيضًا عن تحديات عميقة تواجه السلطات الجديدة في سوريا في سعيها لإعادة بناء دولة مستقرة وآمنة تمر من خلال تحصين أجهزة الدولة على مختلف مشاربها خاصة جهاز الأمن الداخلي والخارجي. إن التداعيات طويلة الأجل لهذه الاختراقات ستشكل مستقبل البلاد خاصة في ظل مساعي الرئيس أحمد الشرع لقيادة المرحلة الانتقالية وسط بيئة إقليمية ودولية معقدة إلى أبعد الحدود.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي