الأحد, 30 نوفمبر 2025 01:49 AM

بيت جن: تصعيد مفاجئ يشعل الجنوب السوري.. هل تتحول المقاومة الشعبية إلى خيار استراتيجي؟

بيت جن: تصعيد مفاجئ يشعل الجنوب السوري.. هل تتحول المقاومة الشعبية إلى خيار استراتيجي؟

شهدت بلدة بيت جن في ريف دمشق تصعيدًا دراماتيكيًا خلال الأيام الماضية، إثر دخول قوة إسرائيلية بهدف اختطاف شقيقين. رد فعل أهالي البلدة كان فوريًا، حيث بادروا بإطلاق النار على القوة المقتحمة وآلياتها، مما أسفر عن إصابة ستة جنود وضباط إسرائيليين، بينهم ضابطان وجندي في حالات خطيرة، بالإضافة إلى تدمير جيب عسكري واحتراقه بالكامل.

هذا التطور المفاجئ دفع الجيش الإسرائيلي إلى قصف البلدة جوًا وبالمدفعية بشكل مكثف، في عملية انتقامية أسفرت عن مقتل 13 مدنيًا، في واحدة من أكثر الضربات المأساوية التي شهدتها المنطقة منذ سنوات.

التصدي الشعبي: رد فعل أم تحوّل جديد؟

تؤكد شهادات من سكان بيت جن أن المواجهة كانت رد فعل غريزيًا على الاقتحام المفاجئ. ومع تكرار هذه الحوادث، يثار التساؤل حول ما إذا كنا نشهد بداية تشكّل نمط مقاومة محلي، أم أن القصف والضحايا سيدفعان الناس إلى الخوف والتشتت. المشهد العام يشير إلى أن التصدي الشعبي يتكرر مع كل دخول لقوة إسرائيلية إلى منطقة مدنية، ومع كل حادثة تتسع دائرة المشاركة وجرأة السكان، رغم الكلفة البشرية العالية.

الغطرسة الإسرائيلية ولّدت ردًا طبيعيًا

يرى المحلل العسكري عبد الله الأسعد أن إسرائيل تتعامل مع عملياتها اليومية داخل سوريا، وخاصة مناطق الجنوب، وكأنها "نزهة عسكرية"، لكن الواقع "بات مختلفًا تمامًا". ويضيف في حديث لمنصة سوريا 24: "اعتقدت إسرائيل أن ما تقوم به مجرد جولة عابرة، لكن السكان رفضوا ترك ممتلكاتهم عرضة للانتهاكات المتكررة. العنوان الأبرز اليوم هو الاستفزاز اليومي ضد الشعب السوري". ويؤكد الأسعد أن ما حدث في بيت جن ليس حادثًا معزولًا، بل "نتيجة طبيعية لممارسات إسرائيلية مستمرة".

فرض أمر واقع جديد

من جانبه، يقدّم الباحث في مركز جسور للدراسات محمد سليمان قراءة أكثر اتساعًا للمشهد، مؤكدًا أن إسرائيل تسعى لفرض واقع ميداني جديد في الجنوب السوري، خاصة بعد الإعلان عن وصول المفاوضات مع الحكومة السورية إلى طريق مسدود. ويقول سليمان في حديث لمنصة سوريا 24: "إسرائيل تعمل على إنشاء بوابات حديدية ونقاط تفتيش وعمليات تجريف، وتنفيذ اعتقالات ومداهمات متكررة. هذه مؤشرات على نية السيطرة التدريجية، لا مجرد عمليات محدودة".

الخيار الصعب: مقاومة طويلة الأمد أم هجرة قسرية؟

مع استمرار الاعتداءات، يرى سليمان أن التصدي الشعبي قد يتحول إلى خيار استراتيجي، رغم كلفته الثقيلة، لكنه يحذّر في الوقت ذاته من أن غياب تدخل فعّال لحماية السكان قد يدفع بعضهم إلى الخروج من قراهم بحثًا عن الأمان. ويشير إلى أن الأهالي يجدون أنفسهم اليوم أمام خيارات شديدة التعقيد: الاستمرار في المقاومة الشعبية رغم المخاطر الكبيرة، أو الخروج والهجرة خشية تكرار المجازر.

إلى أين تتجه الأمور؟

تكشف أحداث بيت جن أن العلاقة بين الانتهاكات الإسرائيلية وردود الفعل الشعبية باتت أقرب إلى حلقة متصاعدة. من جهته، قال الباحث في مركز عمران للدراسات، محمد زكوان كوكة في حديث لمنصة سوريا 24: "على امتداد الأشهر الماضية لم تتعرض الدوريات الإسرائيلية التي توغلت في الجنوب السوري إلى عمليات مقاومة تُذكر، باستثناء ما حصل في قرية كويا في ريف درعا في الثلث الأخير من آذار الفائت".

ورأى أن العلامة الفارقة في حادثة بيت جن هي ما أظهرته من قدرة الأهالي على تنظيم نوع من المقاومة السريعة والعملية بوقت قصير، مظهرة قدرتهم على إحداث أضرار كبيرة في دوريات الاحتلال بمقومات عسكرية شبه صفرية. وهذا التطور دفع جيش الاحتلال لإعادة حساباته في مدى قدرته على الاستمرار في عمليات التوغّل دون أية إعاقات لها.

وأشار إلى أنه في حال فشلت إسرائيل في تثبيت مزاعمها حول اضطلاع عناصر من الاستخبارات السورية في اشتباكات بيت جن، فإن السياق سيتجه إلى موقف أقوى للدولة السورية بضرورة وجود أجهزتها الأمنية والعسكرية في الجنوب السوري، وبالتالي العودة لتفعيل المسار التفاوضي حول كيفية إدارة أمن الجنوب.

ويبقى السؤال المفتوح الآن: هل سيدفع هذا المسار نحو تشكّل بيئة مقاومة متنامية في الجنوب السوري؟ أم أن الثمن الإنساني القاسي سيُضعف قدرة المجتمع على الصمود ويدفعه نحو التفكك؟ بين هذين المسارين، تبقى بيت جن مثالًا واضحًا على أن الجنوب يقف عند مفترق طرق.

مشاركة المقال: