البادية السورية: قلب الصراع المتغير وتحديات الأمن الإقليمي


هذا الخبر بعنوان "البادية السورية ومساحة الخطر" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ كانون الأول ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يتوقف تنظيم داعش الإرهابي في السنوات القليلة الماضية عن استهداف الجيش السوري في منطقة تدمر، وتبدو الحادثة الأخيرة التي وقعت بعد سقوط النظام وحل الجيش جزءاً من سياق واحد، لكنها خلقت مفارقة أساسية. لم تحدث هذه الحادثة ضمن حدود تماس واضحة، بل ظهرت كعملية ترسم اختراقات أمنية محتملة، وتحول استهدافها لعسكريين أمريكيين دون سابق إنذار إلى عمل مختلف تماماً.
من الناحية العسكرية، تندرج هذه العمليات ضمن "الحالة المتوقعة"، لكنها أمنياً تعيد تشكيل التصورات حول قدرة الأجهزة الأمنية على ضبط مساحة جغرافية شكلت سابقاً إرثاً أمنياً للقوات الروسية بعد "تحرير تدمر" ثم سقوطها ثانية. فالمدينة التي كانت في التاريخ القديم "عقدة جغرافية" استعادت موقعها كـ"نقطة ارتكاز أمني" محورية.
يبدو أن الولايات المتحدة تتعامل مع "البادية السورية" عموماً بوصفها جغرافيا لا تحتاج إلى ضبط تقليدي؛ بل إلى إعادة تعريف ضمن الواقع الأمني الجديد، وذلك ضمن تصورين رئيسيين. الأول، أن مشكلة البادية السورية الأمنية هي أيضاً سياسية بامتياز؛ لارتباطها بمنطقة الفصل بين الجهات السورية المختلفة. فهي تمثل جبهة مفتوحة تجاه قوات قسد في الشمال الشرقي، ونحو دمشق أيضاً، وحتى باتجاه الجنوب الغربي وصولاً إلى السويداء.
تُعد البادية السورية جغرافيا هشة تجعل كل أطراف الصراع في حدود الخطر الذي لا يخضع لـ"قوة الوجود العسكري" وحدها، إنما لإمكانية الاحتواء السياسي من قبل الأطراف كافة. فالاحتفاظ بنقاط تمركز عسكري لن يفرض حالة الاستقرار في البادية التي كانت قبل عام 2011، وتبدو محاصرة الإرهاب عملية مستحيلة أمام جبهة شهدت صراعات دامية في السنوات العشر الماضية.
أما التصور الثاني، فيرى أن الأمن الإقليمي يرتبط بهذه الجغرافيا التي تهدد الأردن والعراق ويمكن أن تصل تداعياتها نحو "إسرائيل". وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة احتفظت بوجودها في التنف على المثلث الحدودي الأردني – العراقي – السوري، إلا أن هذا الوجود العسكري كان بمثابة حالة رقابة وسيطرة للتأثير في الأزمة السورية، وليس لضبط البادية السورية بشكل كامل.
إن حادثة تدمر، بكل دلالاتها الداخلية، هي جزء لا يتجزأ من الواقع الإقليمي الجديد، وتشير جولة الوفد العسكري الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة تدرس احتمالات محاصرة المخاطر. فعدم تأمين البادية السورية يعني في النهاية وضع الأطراف السورية ضمن صراع إقليمي – داخلي يصعب ضبطه والتحكم فيه.
البادية السورية ليست مجرد فراغ جغرافي؛ بل تحولت منذ بداية الأزمة السورية إلى قلب متغير أمني مفتوح على كل الاحتمالات. إنها فضاء للصراع غير المباشر، وتنظر إليها الولايات المتحدة بوصفها ممراً استراتيجياً بالمعنى الجديد لسياستها، لأنه يربط مشروعاتها الإقليمية، ويشكل الخط الأخير لمنع عودة أي نفوذ من الشرق (إيراني بالدرجة الأولى) باتجاه سواحل المتوسط.
تُعد البادية السورية مرآةً دقيقة لمعادلة الصراع في سوريا؛ فهي مساحة لا يمكن تجاهلها ولا امتلاكها بالكامل، ومصدر خطر لا يُعالج بالقوة وحدها. ومع كل هجوم جديد، يتأكد أنها ليست "فراغاً أمنياً"؛ بل مساحة تحكمها معادلة دقيقة بين الجغرافيا والسياسة والوقت، وأن استقرارها مرهون بإعادة تعريف الأمن في سوريا ككل، وليس فقط بضبط الحدود أو تمشيط الرمال.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة