أزمة إنسانية كارثية في سجن رومية اللبناني: وفيات بالسل وتعذيب وإهمال طبي يفاقم معاناة المعتقلين السوريين


هذا الخبر بعنوان "سجن “رومية”.. “اكتظاظ قاتل وإهمال فاضح”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد سجن رومية في لبنان أزمة إنسانية متفاقمة، تتسم بتدهور حاد في الخدمات وغياب لأدنى مقومات الحياة، مما ينذر بكارثة وشيكة. وقد حذرت صفحة “معتقلو الرأي السوريين في لبنان” على “فيسبوك” من هذا الوضع، مشيرة إلى تسجيل عدة وفيات ناجمة عن انتشار واسع لمرض السل داخل السجن، وذلك وفقًا لما نشره عنب بلدي عبر ركان الخضر.
ففي 27 من كانون الأول 2025، أعلنت الصفحة عن وفاة السجينين محمود الحكيم وحمزة بلبيسي، بالإضافة إلى رصد 20 إصابة بأعراض متشابهة، ونقل أربعة سجناء إلى المستشفى بحالة حرجة. ووصفت الصفحة الوضع داخل السجن بأنه أسوأ مما حدث خلال جائحة “كورونا”، مؤكدة أن الأزمة الصحية الحالية تتفاقم “وسط اكتظاظ قاتل وإهمال فاضح”.
وأكدت “معتقلو الرأي السوريين في لبنان” أن الخطر يتضاعف بسبب نقل السجناء جماعيًا في سيارات مغلقة واختلاطهم عبر الحراس المتنقلين بين المباني دون أي إجراءات وقائية، واصفة الوضع بأنه “قنبلة صحية موقوتة”. وحملت الجهات المعنية المسؤولية كاملة، محذرة من أن أي تأخير سيؤدي إلى سقوط ضحايا جدد.
كشف المعتقل السوري في سجن رومية، الذي فضل استخدام اسم مستعار “عمر”، لـ عنب بلدي، أن المعتقلين يتعرضون “لأبشع أنواع التعذيب” بناءً على تهم ملفقة بأعمال لم يرتكبوها. وأشار إلى أن المحكمة العسكرية اللبنانية تصدر قرارات مسيّسة تخدم مصالح “حزب الله” اللبناني، وأن أغلب الاعترافات المنتزعة من المتهمين تتم تحت التعذيب.
وبحسب تقديرات “عمر”، يبلغ عدد معتقلي الرأي السياسيين في لبنان قرابة 230 معتقلًا سوريًا، بينما يصل عدد المعتقلين اللبنانيين إلى 200، معظمهم اعتقلوا بين عامي 2014 و2017. وأضاف أن سجن رومية شهد خلال عام 2025 وفاة 44 سجينًا نتيجة الإهمال الطبي، ويضم 130 سجينًا يعانون من أمراض جلدية، بالإضافة إلى 40 مصابًا بالسل و30 مصابًا بأمراض مزمنة. وأكد “عمر” أن السجن يفتقر للدواء والعلاج وكل مستلزمات الطبابة، مبينًا أن أي معتقل يصرخ من الألم يُنقل إلى السجن الانفرادي كعقوبة.
من جانبه، أوضح مدير مركز “سيدرا للدراسات القانونية وشؤون المهاجرين”، محمد صبلوح، لـ عنب بلدي، أن المعتقلين السوريين في لبنان يعيشون ظروفًا مأساوية، تفاقمت بشكل كبير بعد الأزمة الاقتصادية في لبنان عام 2019. وأشار إلى أن الدولة اللبنانية عاجزة عن تأمين الغذاء ومتطلبات الاستشفاء للسجناء، وهو ما يفسر وفاة أكثر من 44 معتقلًا في عام 2025، ووصول معدل الوفيات إلى حالتين أو ثلاث حالات أسبوعيًا مؤخرًا.
وبين صبلوح أن هذا الوضع، الذي لو حدث في أكثر الدول تخلفًا لأجبر الحكومة على التحرك، يستمر في لبنان دون نية جدية من الحكومة أو المشرّع اللبناني لمعالجة أزمة السجون والمعتقلين السوريين. ونوه إلى أن المنظمات الحقوقية توثق هذه الانتهاكات وسوء المعاملة، وتبلغ المجتمع الدولي للضغط على الحكومة اللبنانية لتوفير أبسط مقومات العيش الكريم للسجناء واحترام حقوقهم. ومن أبرز أعمال التوثيق التي قامت بها منظمته، إنتاج تقرير “كم تمنيت أن أموت” بالتعاون مع منظمة العفو الدولية، ومواجهة الدولة اللبنانية العميقة التي عملت مع نظام الأسد بوثائق تؤكد الانتهاكات والتعذيب.
وتسعى المنظمات الحقوقية، وفقًا لـ صبلوح، لمعالجة هذه المآسي عبر تقديم مشاريع قوانين متعددة بالتعاون مع نواب لبنانيين، شملت تخفيض مدة العقوبة، وإخلاء سبيل من مضى على اعتقاله عشر سنوات دون محاكمة، وترحيل المعتقلين غير اللبنانيين. إلا أن هذه المشاريع قوبلت بالتجاهل من قبل المسؤولين اللبنانيين الذين يتعاملون مع السجناء “كمجرد أرقام للمتاجرة بهم مع المجتمع الدولي” وتحصيل مساعدات من الاتحاد الأوروبي وغيره، دون صرفها على المعتقلين.
وأبدى صبلوح استعداد منظمته للضغط على الحكومة اللبنانية بتفويض من أهالي المعتقلين، مشيرًا إلى أن لبنان بانتظار مراجعة دولية شاملة في 16 من كانون الثاني الحالي، وأن منظمة “سيدرا” أوضحت الانتهاكات في السجون اللبنانية للمجتمع الدولي. وطالب صبلوح المجتمع الدولي بالاستفسار عن تعامل الحكومة اللبنانية مع المعتقلين وممارسة الضغوط عليها، بما في ذلك التهديد بوقف المساعدات الدولية، حتى يحترم لبنان حقوق الإنسان والسجناء.
أكد محمد صبلوح أن الأجهزة الأمنية اللبنانية والقضاء العسكري كانوا يتعاملون مع معارضي نظام الأسد على أنهم “إرهابيون”، مما دفع هذه الأجهزة إلى فبركة مئات الملفات و“شيطنة” المعتقلين بناءً على مواقفهم السياسية. وأشار إلى أن لبنان ما زال يحاول معالجة الملف باتفاق قضائي “بطريقة غير سليمة”، وأن المنظمات الحقوقية طالبت الدولة اللبنانية منذ تعيين الرئيس جوزيف عون بتطبيق عدالة انتقالية حقيقية.
فالدولة اللبنانية مطالبة، وفق صبلوح، بالاعتراف بأخطاء المرحلة الماضية وجبر الضرر الذي لحق بالمعتقلين “المظلومين”. وعبر عن استغرابه من تغيير السياسة اللبنانية التي كانت تطالب قبل سقوط نظام الأسد بترحيل المعتقلين السوريين، مؤكدًا أن لبنان قام بترحيل بعضهم وتسليمهم إلى نظام الأسد الذي قام بإعدامهم. واتهم صبلوح الحكومة اللبنانية باتباع معايير مزدوجة، مطالبًا بالأدلة التي تثبت ادعاءاتها بأن المعتقلين السوريين متهمون بقتل جنود لبنانيين. واقترح حلين للقضية: تفعيل اتفاقية القضاء مع الدولة السورية، ومشروع قانون يحل مشكلة اكتظاظ السجون.
قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني الدكتور زياد علوش لـ عنب بلدي، إن عدد الموقوفين السوريين في لبنان يقدر بين 2200 و2600، منهم حوالي 200 إلى 220 من معتقلي الرأي. وأشار إلى أن معتقلي الرأي هم السبب الأساسي الذي يعرقل الاتفاق بين سوريا ولبنان، مضيفًا أن زيارة الوفد القضائي اللبناني إلى دمشق في 10 من كانون الأول 2025 لم تحقق النتائج المرجوة بشأن التوصل إلى معاهدة قضائية جديدة تنظم آلية تسليم السجناء السوريين الموقوفين في لبنان.
وأضاف علوش أن هناك تباينًا واسعًا في مقاربة الطرفين لبنود مشروع الاتفاقية، موضحًا أن هناك رغبة سورية في استكمال محاكمة الموقوفين لديها، أو تنفيذ المحكومين لعقوباتهم داخل أراضيها. وذكر نقطة اختلاف أخرى تتمثل باقتصار مشروع الاتفاقية على المحكومين، دون من لا يزالون يخضعون للمحاكمة، لأن تسليم الموقوفين يحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب اللبناني، وهو غير متاح حاليًا.
وتتركز أبرز التحفظات السورية، بحسب علوش، على البند الأول من مشروع الاتفاقية الذي ينص على السماح للدولة المسلِّمة (لبنان) برفض تسليم أي محكوم أو موقوف دون تقديم تبرير، مما يمنح لبنان الحق بعدم تسليم أي سجين سوري دون مساءلة قانونية. ونوه علوش إلى أن البند الآخر الأكثر حساسية للسوريين يتمحور حول المادة العاشرة، التي أرادها لبنان مطابقة للاتفاقية الموقعة بينه وبين باكستان. وتنص هذه المادة على عدم أحقية الدولة المسلَّم إليها (سوريا) في منح عفو لأي محكوم أو موقوف تتسلمه من لبنان، بينما لا تحرم الاتفاقية مع باكستان الأخيرة حق منح العفو لمواطنيها.
وأفاد علوش أن دمشق أبلغت الوفد اللبناني أنها لن تطلب استرداد أي شخص يثبت تورطه في قتل جنود لبنانيين أو تنفيذ تفجيرات تسببت في سقوط مدنيين. ووفق رأي المحلل السياسي اللبناني، فإن دمشق تعتبر أن المدخل الإلزامي لعلاقات سليمة وقوية بين البلدين يبدأ بحل نهائي لملف السجناء السوريين في لبنان، خصوصًا أن أغلب السوريين المحكومين أو الموقوفين بجرائم إرهابية كانوا في صفوف الثورة السورية، ويعود سبب اعتقالهم ومحاكمتهم في لبنان لخياراتهم السياسية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة