المهند كلثوم وفيلمه «فوتوغراف»: السينما سؤال مفتوح عن الذاكرة والإحساس بالصورة


هذا الخبر بعنوان "«فوتوغراف”.. حين يكتب المخرج المهند كلثوم أسئلة الذاكرة بالصورة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُضيء أعمال المخرج المهند كلثوم فضاء السينما السورية بوهجٍ خاص، حيث تتحول الصورة في رؤيته إلى سؤالٍ مفتوح لا إلى حكايةٍ مغلقة. وفي حديثه لجريدة "الحرية"، وصف كلثوم جائزة لجنة التحكيم الخاصة التي حصدها فيلمه «فوتوغراف» في مهرجان واد نون السينمائي بكلميم جنوب المملكة المغربية، بأنها لم تكن تتويجًا بقدر ما كانت لحظة إنصات عميق ومحطة تأمل أعادت النظر في المسار، استعدادًا لما هو أكثر صدقًا وعمقًا في المستقبل.
يؤكد كلثوم أن السينما ليست مجرد حكاية تُروى، بل هي سؤال يُترك مفتوحًا في وجدان الجمهور. هذا ما جسده فيلمه «فوتوغراف» الذي أثار أسئلة متعددة تتشكل حسب ذاكرة كل مشاهد، تدور حول الغياب، وما يتبقى في الصورة بعد اختفاء أصحابها، والإحساس المتجدد عند استدعاء ذكرى مجهولة المصدر. فالفيلم لا يسأل "ماذا حدث؟"، بل يتعمق في سؤال "ماذا نشعر حين نتذكر؟"، وهو سؤال بلا إجابة نهائية.
عن التحدي الإخراجي في الاعتماد على الصورة أكثر من الحوار، أوضح المهند كلثوم أنه تعامل مع الصورة كلغة كاملة بذاتها، وليست بديلاً عن الحوار. فكل كادر في الفيلم كان بمثابة جملة، وكل حركة كاميرا فاصلة، وكل صمت مساحة للتأمل. لم يكن التحدي في تقليل الكلام، بل في تمكين الصورة من أن تُصغي للمشاهد وتدعوه للتأمل، بدلاً من فرض معنى جاهز عليه.
لقي الفيلم استقبالاً دافئًا وحميميًا من الجمهور المغربي، الذي أظهر حساسية عالية تجاه الصورة الشعرية. أما التلقي العربي فكان متنوعًا، لكنه التقى عند نقطة مشتركة: شعور المشاهدين بأن الفيلم يشبه ذاكرة شخصية خاصة بهم. يرى كلثوم أن هذا الاختلاف في نوع الأسئلة التي طرحها كل جمهور بعد المشاهدة يمثل ثراءً وتنوعًا، لا تباينًا في الفهم.
كان هدف كلثوم أن يترك الفيلم في ذاكرة المشاهد إحساسًا داخليًا عميقًا لا مشهدًا محددًا، وأن يغادر المشاهد القاعة حاملاً صورة تخصه وحده. يشعر كلثوم أن السينما تؤدي دورها حين تنجح في إيقاظ ذاكرة لا يعرف صاحبها مصدرها. وفي رؤيته، السينما هي الذاكرة حين تُعاد صياغتها بالحسّ، فالصورة لا تحفظ الحدث فحسب، بل تحفظ أثره العاطفي. لذلك، يؤمن بأن السينما ليست مجرد تسجيل للزمن، بل هي إعادة عيش له بكل هشاشته وحنينه وأسئلته المؤجلة.
يرفض المهند كلثوم الفصل بين الشعرية والواقعية في السينما، معتبرًا أنه ينحاز إلى سينما ترى الواقع بعين شاعر وتكتب الشعر بملمس الواقع، حيث يفرض الموضوع نفسه بصدق. أما اختيار موضوعات أفلامه، فيبدأ غالبًا بصورة عالقة أو إحساس صامت، لتأتي الفكرة لاحقًا كترجمة عقلانية لما بدأ وجدانيًا.
لا يعتبر كلثوم الموسيقى والسينوغرافيا عناصر ثانوية، بل يراهما شريكين خفيين في السرد السينمائي. فالموسيقى تهمس للصورة، والسينوغرافيا هي الجسد الذي تتحرك داخله الروح البصرية للفيلم.
يرى كلثوم أن حضور السينما السورية في المهرجانات، رغم الظروف الصعبة، قائم على الإصرار لا على الوفرة. تحمل السينما السورية اليوم ثقل التجربة الإنسانية أكثر من أي وقت مضى، مما يجعلها حاضرة ومؤثرة. يعتبر الجوائز اعترافًا جزئيًا لا يختصر التجربة، فهي إشارات ضوء وليست الطريق نفسه. ما يميز السينما السورية، في نظره، هو قدرتها على تحويل الألم إلى سؤال إنساني لا إلى خطاب، والبحث عن الإنسان خلف الحدث، وعن التفاصيل الصغيرة التي تصنع الذاكرة الكبرى.
اختار المهند كلثوم السينما كمسار حياة لأنها المساحة الوحيدة التي تجمع الفكر بالحسّ. يرى نفسه مزيجًا من الباحث عن المعنى والحالم بصورة أكثر عدلاً وصدقًا للعالم. تأثر بتجارب تحترم ذكاء المشاهد وتثق بالصورة كوسيط إنساني عميق، ولا ينسى أثر رائد السينما السورية الراحل نبيل المالح، الذي علّمه أن السينما موقف أخلاقي قبل أن تكون تقنية، وأن الصورة الصادقة أقوى من أي خطاب.
يتعامل كلثوم مع التحديات الإنتاجية بالاقتصاد في الوسائل والثراء في الرؤية، حيث تتحول الإمكانات المحدودة إلى جزء من اللغة السينمائية لا عائقًا لها. وعن مشروعه القادم بعد «فوتوغراف»، يكشف أنه ما زال في طور التشكل، يحمل روح التأمل ذاتها لكنه يقترب أكثر من الإنسان في لحظة مواجهة مع ذاته، مفضلاً أن يتركه ينضج بهدوء كما تنضج الصور التي تستحق أن تُروى.
تغادر كلمات المخرج المهند كلثوم صفحات الحوار كما تغادر صور أفلامه شاشة العرض، وفي حديثه لجريدة الحرية، بدا واضحًا أن السينما عنده ليست مجرد فن بصري، بل فعل وجداني يوقظ الذاكرة ويعيد صياغة الإنسان في مواجهة ذاته. إنها سينما تبحث عن الصدق في التفاصيل الصغيرة، وتحوّل الألم إلى سؤال إنساني، وتمنح الصورة قدرة على أن تُصغي بدل أن تُعلن. وهكذا، يظل كلثوم وفيًّا لرؤيته بأن السينما ليست نهاية، بل بداية دائمة لسؤال جديد، يفتح الطريق نحو عمقٍ أكبر وصدقٍ أبقى.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة