الكمال الافتراضي في سوريا: هروب من الواقع وتأثيره على الصحة النفسية والهوية الاجتماعية


هذا الخبر بعنوان "سوريون يهربون إلى “الفلاتر” والصورة الرقمية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يمكن فصل ظاهرة "الكمال الافتراضي" في السياق السوري عن واقع اجتماعي معقد تشكل بفعل سنوات الحرب والهجرة والانهيار الاقتصادي وتغير البنى القيمية. ففي ظل تراجع الفرص الواقعية وتحطم الأطر التقليدية التي كانت تمنح الشباب الإحساس بالاستقرار والمعنى، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة بديلة للهوية ومنبر لإعادة تعريف الذات والنجاح والجمال.
يروي "مؤيد" (اسم مستعار) من مدينة جبلة بريف محافظة اللاذقية، تجربته مع البحث عن الكمال لإرضاء معايير الجمال الاجتماعي. وجد "مؤيد" (32 عامًا)، الذي يعمل مهندسًا في إحدى الدوائر الحكومية، في وسائل التواصل الاجتماعي مساحة أمان شخصي بعيدًا عن انتقادات الآخرين. لكنه أدرك لاحقًا أن الغوص العميق في هذا الفضاء الإلكتروني كان تجربة خطيرة، حيث لم تعد "الفلاتر" التي كانت تحقق معايير جمالية مُرضية مقنعة له، ما دفعه إلى استخدام المساحيق التجميلية، وبات يفكر جديًا اليوم في عمليات التجميل، معتبرًا الظروف المادية العائق الوحيد.
من جانبها، تشارك "تمارة" (اسم مستعار أيضًا) من سكان مدينة دمشق، قصتها، حيث تلجأ إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتعيش حياة مغايرة هربًا من واقعها الذي لم تتمنَّه. ترى "تمارة" (37 عامًا) في إطراءات المتابعين لها عبر "فيسبوك" و"إنستجرام" إشباعًا لفراغ في علاقتها الزوجية، حتى لو كان المديح بجمالها مصطنعًا عبر "فلاتر". وتخوض السيدة، التي شارفت على سن الأربعين، أحاديث يومية مع متابعين عن جوانب مفقودة في شخصيتها، مصدّرة نفسها بمظهر "الأنثى الناصحة" لسد النقص الذي تعيشه مع زوجها وأولادها.
توضح الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديثها لعنب بلدي، أن الهشاشة النفسية الجماعية تعد من أبرز الدوافع للتوجه نحو الكمال الزائف. فقد خلقت سنوات طويلة من الصدمات الجماعية مستويات مرتفعة من القلق والشعور بعدم الأمان وانخفاض تقدير الذات، ما يجعل الشباب أكثر قابلية لمقارنة أنفسهم بالآخرين بحثًا عن قيمة خارجية.
وتضيف العرنوس أن الخوارزميات الرقمية تروّج لصور نمطية للجمال والنجاح، جاعلة المقارنة آلية قهرية لا واعية، حيث يُقاس الإنسان بعدد الإعجابات والمتابعين. وفي ظل غياب نماذج واقعية للنجاح وانسداد الأفق المهني والاجتماعي، تصبح الصورة الرقمية بديلًا عن الإنجاز الحقيقي، ويغدو الظهور بمظهر الناجح أكثر أهمية من أن تكون ناجحًا فعلًا.
كما تشير العرنوس إلى ضغط اجتماعي مضاعف على الشابات السوريات، اللواتي يواجهن تداخلًا معقدًا بين معايير تقليدية صارمة وأخرى عصرية استهلاكية، ما يعزز الرغبة في السعي للكمال الجسدي والاجتماعي. وتعتبر الحاجة للاعتراف والقبول من الدوافع الاجتماعية والنفسية لهذه الظاهرة، حيث يعمل الإعجاب الرقمي كمكافأة نفسية سريعة تعوض نقص الاعتراف الواقعي، لكنه يُدخل الفرد في حلقة إدمانية.
تعدد الاستشارية الآثار السلبية لهذه الظاهرة على مستويات مختلفة:
وتؤكد الدكتورة العرنوس أن السعي إلى "الكمال الافتراضي" يشوه مفاهيم الجمال والنجاح، فالجمال يتحول إلى قالب موحد ومستورَد، والنجاح يختزَل في المظهر والسفر والاستهلاك، لا في القيم أو التأثير أو المعنى. ويسهم هذا النمط في إضعاف المناعة النفسية المجتمعية، وطمس الخصوصية الجمالية السورية، وخلق فجوة بين الأجيال، وتآكل الهوية الثقافية لمصلحة هوية رقمية هجينة ومعلّبة. وتختتم بأن أخطر ما في "الكمال الافتراضي" أنه ينتج مجتمعًا يبدو بخير لكنه متعب من الداخل.
تقدم الدكتورة العرنوس مجموعة من الحلول والتوصيات للحد من تأثير "الكمال الافتراضي" على مستويات عدة:
وتشمل التوصيات النفسية الفردية فصل القيمة الذاتية عن الصورة الرقمية، تنمية الوعي بالذات الحقيقية من خلال أنشطة تعزز الاتصال بالذات الواقعية، التعامل النقدي مع المحتوى الرقمي، تنظيم الاستخدام الرقمي، والاعتراف بالمشاعر السلبية دون جلد الذات.
أما التوصيات الأسرية والتربوية فتؤكد على خطاب داعم غير قائم على المقارنة، تعليم مهارات التربية الرقمية، وخلق مساحات آمنة للتعبير. وعلى المستوى الثقافي والإعلامي، يُشدد على تشجيع المحتوى الواقعي والصادق، تنويع نماذج الجمال والنجاح، وتفكيك الخطاب المثالي السائد.
وفيما يخص الصحة النفسية والمجتمع، توصي العرنوس بدمج الصحة النفسية في الخطاب العام، تعزيز الوصول إلى الدعم النفسي، وتأهيل اختصاصيي الصحة النفسية للعمل الرقمي، وإعادة تعريف مفهوم الكمال بأنه القدرة على التكيف والمرونة والعيش بسلام مع الذات.
وتختتم الدكتورة العرنوس بأن السعي للكمال الافتراضي ليس خللًا فرديًا بقدر ما هو عرض نفسي- ثقافي لمرحلة انتقالية يعيشها المجتمع السوري، مؤكدة أن المطلوب اليوم ليس رفض وسائل التواصل الاجتماعي، بل إعادة أنسنتها، وإعادة الاعتبار للقيمة الإنسانية غير المشروطة، حيث يكون الإنسان كافيًا بذاته، قبل أي "فلتر" وأي إعجاب.
سياسة
صحة
صحة
صحة