احتجاجات إيران الأخيرة: دوافع اقتصادية وصمود نظامي في مواجهة التحديات


هذا الخبر بعنوان "هل تبدو احتجاجات إيران اليوم مختلفة عن سابقاتها؟!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت إيران خلال الأسابيع الأخيرة موجة واسعة من الاحتجاجات التي بدأت سلمية في أواخر ديسمبر الماضي، قبل أن تتحول سريعًا إلى أعمال عنف موجهة. تركزت هذه الاحتجاجات بشكل رئيسي في المدن الحدودية مثل إيلام، مع محاولات للتمدد إلى مدن كبرى مثل طهران ومشهد وأصفهان. تُعد هذه الموجة، التي اندلعت كرد فعل أولي على الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني والتضخم المتسارع، أحد أكبر التحديات الداخلية التي واجهت الجمهورية الإسلامية في السنوات الأخيرة.
ما يميز هذه الاحتجاجات عن سابقاتها ليس حجمها فحسب، بل السياق الذي تتم فيه، والذي يبرز صمود النظام الإيراني أمام الضغوط الخارجية والداخلية. فالدوافع الرئيسية اقتصادية بحتة، حيث ارتفع التضخم إلى أكثر من 50% في نهاية العام الماضي، مما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، لا سيما في صفوف الطبقة الوسطى والعمال. كما ساهمت العقوبات الدولية، التي فرضتها الولايات المتحدة وغيرها، في تفاقم الأزمة، مما جعل الاحتجاجات تعبر عن استياء حقيقي من الظروف المعيشية.
تختلف الاحتجاجات الحالية عن تلك التي شهدتها إيران في أعوام 2009، 2019، أو 2022 في عدة جوانب أساسية. ففي الماضي، كانت الاحتجاجات غالبًا ما ترتبط بأحداث سياسية محددة، مثل الانتخابات المتنازع عليها أو حوادث اجتماعية كوفاة مهسا أميني. أما اليوم، فالدافع الرئيسي اقتصادي، مما يجعلها مرشحة لتكون أكثر شمولاً وانتشارًا جغرافيًا. هذا الانتشار يعكس عمق الأزمة الاقتصادية، لكنه يبرز أيضًا قدرة النظام على احتواء مثل هذه التحديات من خلال آلياته الأمنية والاجتماعية.
ما يميز هذه المرة هو تركيز وسائل الإعلام الخارجية، خصوصًا تلك التابعة للمعارضة والتي تُدار مباشرة من الموساد، على شعار “الكرامة الإنسانية”. هذا المفهوم، الذي يُستخدم لوصف الإعجاب ببعض الشخصيات المحبوبة جماهيريًا، لا يعني بالضرورة رفضًا كاملاً للنظام، بل يمكن تفسيره كدعوة لإصلاحات داخلية تحافظ على الكرامة دون تقويض الشرعية الثورية. في الواقع، يظهر الواقع الميداني، الذي يُراد تشويه صورته، أن المجتمع الإيراني، رغم الاستياء، يظل ملتزمًا بمبادئ الثورة، كما في حالة تجار البازار الذين يعبرون عن همومهم دون الابتعاد عن الولاء للدولة.
بالإضافة إلى ذلك، تُظهر الفيديوهات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تلك التي تُظهر مقاومة فردية من مواطنين للمحتجين المسلحين، أن هناك من حول الاحتجاجات إلى أعمال عنف لتقويض الأمن الداخلي. من الأمثلة على ذلك، حالة السيدة صاحبة شهادة الدكتورة في الفيزياء النووية التي تعرضت للضرب من المحتجين بسبب حجابها وتأييدها للنظام، والطبيبة التي قُتلت مع طفلتها حين قاومت قيام محتجين بإضرام النار في عيادتها والمشفى الذي تعمل فيه. هذه الرموز، رغم تأثيرها، لا تغير من حقيقة أن النظام يحتفظ بسيطرته على الهياكل الرئيسية، مما يجعل هذه الاحتجاجات أقل خطرًا من سابقاتها.
تُعد الأزمة الاقتصادية الشرارة الرئيسية لهذه الاحتجاجات. فقد أدى انخفاض قيمة الريال بنسبة كبيرة، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الأساسية، إلى إضرابات في الأسواق والجامعات. هذه الضغوط ليست جديدة، لكنها تفاقمت بسبب العقوبات الدولية التي تهدف إلى عزل إيران اقتصاديًا. ومع ذلك، يرى النظام في هذه الأزمة فرصة لتعزيز الاعتماد الذاتي، كما في برامجه النووية السلمية والصاروخية التي توفر أساسًا للاستقرار طويل الأمد.
من المهم التأكيد على أن هذه الاحتجاجات مدفوعة بأجندة خارجية مباشرة، رغم أنها تعبير عن استياء داخلي. فالشعارات مثل “الموت للديكتاتور” تُسمع، لكنها غالبًا ما تكون جزءًا من حرب الإدراك الكبرى التي تُدار من الخارج علنًا وعلى المكشوف، وليست تعبيرًا عن الغضب الاقتصادي أو رفضًا كاملاً للنظام. في الواقع، يظهر الأداء الرسمي اعترافًا بوجود خلل قابل للحل، وتُظهر الوقائع أيضًا أن الاحتجاجات المطلبية تتجنب في كثير من الأحيان التصعيد السياسي الجذري، مما يسمح للقيادة بإجراء حوار داخلي لاحتواء المطالب.
تشير التفاصيل الدقيقة إلى أن فقدان السلطة الأخلاقية ليس مصيرًا محتومًا، خاصة مع قدرة النظام على الاستجابة للمطالب المحقة. في الواقع، يُرى أن هذه الاحتجاجات قد تؤدي إلى تعزيز الوحدة الوطنية أمام التهديدات الخارجية، مما يجعلها مختلفة عن السابقة بأنها تعزز الصمود بدلاً من الانهيار.
غالبًا ما تُقارن احتجاجات إيران بأزمة فنزويلا، خاصة بعد خطف الرئيس الشرعي والقانوني نيكولاس مادورو. ومع ذلك، تكشف هذه المقارنة عن فروقات جوهرية تجعل إيران أكثر استقرارًا. ففي فنزويلا، كان النظام أكثر اعتمادًا على التحالفات الشخصية والشبكات الاقتصادية، مما سمح بتغيير سريع في القيادة دون تفكيك الهيكل بالكامل. أما في إيران، فالنظام مبني على بنية أيديولوجية عميقة، مع الحرس الثوري كعمود فقري اقتصادي وسياسي وعسكري. هذه البنية، التي تشمل قوات المتطوعين العقائديين (البسيج)، هي جوهر النظام. رحيل قائد فردي لن يؤدي إلى انهيار، لأن الهرم السلطوي مصمم للاستمرارية، مع التركيز على تطوير البرامج النووية السلمية والصاروخية كركائز للبقاء.
على عكس فنزويلا، حيث يمكن تغيير الائتلافات، فإن في إيران الهيكل والمضمون واحد، مما يجعل أي محاولة لـ“التجميل” أو “السلخ” غير فعالة. بالإضافة إلى ذلك، يلعب الامتداد الدولي دورًا، مثل علاقات إيران مع الصين كمشترٍ رئيسي للنفط، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي رغم الضغوط. هذه المقارنة تؤكد أن إيران ليست عرضة للسقوط السريع، بل هي قادرة على الصمود أمام الأزمات، معتمدة على شبكاتها الإقليمية والداخلية.
يُعد الحرس الثوري الإيراني العنصر الأساسي في صمود النظام أمام الاحتجاجات. فهو ليس قوة عسكرية عقائدية ترى في الموت ربحًا لا خسارة لكي يُراهن على انشقاقها، بل هو شبكة اقتصادية وسياسية تسيطر على قطاعات حيوية مثل الطاقة والإنشاءات. هذا الدور يجعله قادرًا على احتواء الاضطرابات دون اللجوء إلى قمع شامل، كما حدث في الاحتجاجات السابقة. كما أن القيادة العليا، بقيادة آية الله علي خامنئي، تُظهر مرونة في التعامل مع المطالب، مع التركيز على الحفاظ على الوحدة الوطنية. في هذا السياق، تُظهر الاحتجاجات أن النظام قادر على الاستجابة، ربما من خلال إصلاحات اقتصادية أو تخفيف بعض الضغوط الداخلية. يظل الدعم الشعبي للمبادئ الثورية، رغم الاستياء، قويًا، خاصة في مواجهة التهديدات الخارجية مثل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني حول التدخل.
في الختام، تختلف احتجاجات إيران هذه المرة بأنها تبرز قوة النظام أكثر من ضعفه. فرغم الدوافع الاقتصادية الحقيقية، فإن البنية الأيديولوجية والأمنية تجعلها قابلة للاحتواء، مع إمكانية تحولها إلى إصلاحات تعزز الاستقرار. تؤكد المقارنة مع فنزويلا أن إيران ليست عرضة للسقوط، بل هي دولة قوية قادرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. ومع استمرار الاحتجاجات كامتداد لحرب الاثني عشر يومًا، يظل السؤال: كيف سيتحول الاستياء إلى تعزيز الوحدة الوطنية؟ الإجابة تكمن في قدرة النظام على الاستجابة، مما يضمن استمرارية الجمهورية الإسلامية كقوة إقليمية مستقرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة