تصعيد إسرائيلي في جنوب سوريا: توغلات متزامنة مع تحولات حلب ومفاوضات باريس


هذا الخبر بعنوان "إسرائيل تراقب حلب وتتحرك جنوبا: توغلات على وقع التحولات الميدانية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الساحة السورية، في توقيت بالغ الدقة، تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً ملحوظاً في جنوب البلاد، تمثل بتوغلات جديدة في ريفي القنيطرة ودرعا. يأتي هذا التصعيد بالتوازي مع تطورات ميدانية وسياسية لافتة، أبرزها الأحداث في مدينة حلب، ومخرجات الجولة الخامسة من المحادثات السورية–الإسرائيلية غير المباشرة التي استضافتها باريس. هذا التزامن أثار تساؤلات عميقة حول الدوافع الكامنة وراء التصعيد الإسرائيلي، ونطاقه، وما إذا كان يحمل رسائل سياسية تتجاوز الأبعاد الميدانية البحتة، أو يشير إلى تعثر محتمل في المسار التفاوضي الذي تسعى واشنطن لإحيائه.
لا تُعد التوغلات الإسرائيلية الأخيرة حدثاً معزولاً، بل هي جزء من سلسلة اعتداءات متكررة وخرق مستمر لاتفاق فضّ الاشتباك الموقّع عام 1974. فقد شهد الجنوب السوري خلال الأشهر الماضية عمليات توغل شبه يومية، تضمنت مداهمات واعتقالات وتجريف أراضٍ زراعية، مع استمرار احتجاز عدد من الموقوفين حتى الآن. وتنتشر قوات الاحتلال الإسرائيلي في تسع قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية، ثماني منها في محافظة القنيطرة، وقاعدة واحدة في درعا، وتمتد هذه القواعد جغرافياً من قمة جبل الشيخ وصولاً إلى حوض اليرموك في أقصى الريف الجنوبي، ما يعكس تثبيتاً لواقع ميداني جديد. من جانبها، تؤكد دمشق أن جميع الإجراءات الإسرائيلية في الجنوب السوري باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لإلزام الاحتلال بالانسحاب الكامل من الأراضي السورية المحتلة، والالتزام باتفاقية فصل القوات.
في سياق متصل، نقلت صحيفة معاريف العبرية عن مصدر سياسي إسرائيلي تأكيده أن التوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق لا يزال أمراً صعباً، وذلك في ظل إصرار الحكومة السورية على انسحاب إسرائيل من جبل الشيخ. وأوضح المصدر أن تل أبيب تتمسك بعدم الانسحاب من الجزء الذي سيطرت عليه بعد عام 2024، معتبرة هذا المطلب السوري عقبة أساسية أمام أي تفاهم محتمل. كما كشف المصدر أن إسرائيل عرقلت محاولات لنشر قوات روسية في جنوب سوريا، وأبلغت موسكو وواشنطن رفضها القاطع لأي وجود عسكري روسي في تلك المنطقة، في إشارة إلى سعيها لإدارة الملف الأمني جنوباً بشروطها الخاصة، بعيداً عن أي ترتيبات دولية قد لا تضمن تفوقها الميداني.
في السابع من كانون الثاني الجاري، اختتمت في العاصمة الفرنسية باريس الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، بوساطة أميركية، بعد توقف دام قرابة شهرين. ووصفت الجولة من قبل الأطراف المشاركة بأنها “إيجابية” وحققت “اختراقاً”، وجاءت نتيجة ضغوط مباشرة مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإعادة تحريك المسار المتعثر. ورغم هذه الأوصاف، فإن جوهر الخلاف ما يزال قائماً، ويتمثل في الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية التي احتُلت بعد سقوط نظام الأسد السابق في الثامن من كانون الأول 2024. وبينما تطالب دمشق بانسحاب كامل والعودة إلى خطوط ما قبل ذلك التاريخ، مع إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، ترفض تل أبيب أي انسحاب دون “ضمانات أمنية شاملة”، وتربط الملف باتفاق سلام كامل، معتبرة أن اتفاق 1974 بات “ملغى عملياً”.
يتقاطع التصعيد الإسرائيلي جنوباً مع تطورات متسارعة في الشمال السوري، ولا سيما في مدينة حلب، عقب إخراج قوات سوريا الديمقراطية من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وما يرافق ذلك من توقعات بعمليات عسكرية محتملة في ريف حلب الشرقي، ولا سيما في منطقة دير حافر. هذا الانشغال السوري الداخلي، وفق مراقبين، شكّل فرصة لإسرائيل لرفع منسوب الضغط الميداني جنوباً، في محاولة لفرض وقائع جديدة، أو اختبار حدود الرد السوري في مرحلة انتقالية معقدة.
يرى الأكاديمي والباحث الدكتور طلال المصطفى، في حديث لمنصة سوريا 24، أن التوغل الإسرائيلي يأتي في “ظروف إقليمية شديدة الهشاشة”، حيث تتقاطع تطورات توحيد مدينة حلب مع مخرجات محادثات باريس التي عكست، برأيه، “عجزاً دولياً عن بلورة مقاربة موحدة للمسار السوري”. ويضيف أن المحادثات لم تنتج آليات ردع أو ضمانات أمنية واضحة، ما فتح المجال أمام قوى إقليمية لفرض وقائع ميدانية جديدة، معتبراً أن التوغل الإسرائيلي “رسالة استباقية لإعادة رسم خطوط الردع”، أكثر مما هو إعلان صريح لفشل الاجتماعات. ويرتبط التوغل بمنطق “استباق المخاطر”، واستثمار انشغال الداخل السوري بتطورات حلب، إضافة إلى توجيه رسائل ضغط لدمشق والوسطاء بأن الأمن الإسرائيلي سيُدار ميدانياً لا تفاوضياً.
حتى الآن، لا يبدو أن التوغلات الإسرائيلية تعني انهيار محادثات باريس، لكنها بلا شك ترفع كلفة التفاوض، وتحدّ من هامش المناورة السياسية، وتضع المسار برمته أمام اختبار صعب: إما ترجمة التفاهمات النظرية إلى التزامات ميدانية، أو بقاء الجنوب السوري ساحة مفتوحة لتكريس وقائع جديدة، قد تجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر تعقيداً وأبعد عن التنفيذ. من جانبه، يذهب المحامي والباحث في الشأن السياسي فراس حاج يحيى، إلى أن محادثات باريس بدت أقرب إلى “ترتيبات أمنية وتقنية لخفض التوتر”، وليست اتفاقاً سياسياً أو أمنياً شاملاً.
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي