النحاس في الرقة: حرفة عريقة تصمد في وجه التحديات وتحفظ ذاكرة المدينة


هذا الخبر بعنوان "صناعة النحّاس في الرقة: صمود حرفة ورحلة عبر ذاكرة المدينة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب أزقة الرقة العتيقة، يقف محل عبد السلام عبد الغني للنحاسيات شامخاً، ليس كمجرد متجر، بل كحارس أمين لذاكرة المدينة وتاريخها الممتد عبر عقود من التحولات. هذا المحل، الذي أسسه والد العائلة عام 1960، يُعد الأقدم من نوعه في محافظة الرقة، ويشكل شهادة حية على نسيج اجتماعي وثقافي يربط بين أجيالها. منذ افتتاحه، تجاوز دور المحل مجرد البيع والشراء، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للسكان وطقوسهم الاجتماعية.
يقول عبد السلام عبد الغني في تصريح خاص لـسوريا 24: "تأسست هذه الحرفة في المدينة قبل أكثر من ستة عقود، ومن خلالها نسعى جاهدين للحفاظ على تراث نحتي عميق الجذور يتجاوز البعد المادي، ليعكس جوهر هوية المجتمع وثقافته." يعرض المحل تشكيلة غنية من الأدوات النحاسية المصنوعة يدوياً، تشمل القدور الكبيرة (الجدر النحاسي)، وأواني الحليب والقهوة، والمغارف التقليدية، بالإضافة إلى تقديم خدمات صيانة للأدوات القديمة. هذه المنتجات التقليدية لا تزال تستقطب شريحة واسعة من الزبائن الذين يرون في النحاس رمزاً للجودة ومتانة الارتباط بالماضي العريق.
صمود في وجه التحولات
على الرغم من هيمنة الأدوات الحديثة وسهولة توافرها، يواصل محل عبد الغني صموده في وجه تغيرات أنماط الاستهلاك. وفي حديثه لـسوريا 24 حول استمرارية العمل في ظل بيئة اقتصادية واجتماعية متقلبة، يؤكد عبد السلام عبد الغني: "إن الإبقاء على هذا النشاط يتجاوز كونه مجرد عمل تجاري؛ إنه التزام عميق تجاه تاريخ الرقة وهويتها. نسعى لخدمة المجتمع بمهنية عالية، مع إيلاء اهتمام بالغ للحفاظ على جودة منتجاتنا وقيمتها الثقافية." ويضيف: "هذا المحل يمثل جسراً حياً يربط الماضي بالحاضر، ونقطة التقاء تتشابك فيها ذكريات الأجداد مع متطلبات الأجيال المعاصرة."
مكانة اجتماعية وتقدير شعبي
يؤكد العديد من زبائن المحل، في تصريحاتهم لـسوريا 24، أن زيارتهم ليست مجرد عملية شراء، بل هي تجربة تعيدهم إلى جذور حياتهم اليومية. يقول أبو محمود، أحد الزبائن: "نحن نفضل هذه الأدوات النحاسية لأنها تجسد معياراً للجودة والتاريخ. إن وجود مثل هذه الحرف في أسواقنا يعزز إحساسنا بالانتماء للمكان وتاريخه العريق." ويضيف أبو محمود أن هذه الحرفة المتوارثة تحمل قيمة اجتماعية أعمق بكثير من مجرد الاستخدام المنزلي: "الأدوات النحاسية في بيوتنا ليست مجرد أوانٍ؛ بل هي جزء لا يتجزأ من تراثنا وذكرياتنا العائلية التي تتجلى في كل مناسبة."
تحديات وبارقة أمل
لم تكن السنوات الماضية يسيرة على الرقة وأسواقها التقليدية، فقد شهدت المدينة تداعيات حرب ونزوحاً واسع النطاق. ومع ذلك، حافظ محل عبد الغني على أبوابه مفتوحة قدر الإمكان، مستعيداً دوره تدريجياً مع عودة الحياة إلى الأسواق. وفي هذا الصدد، يصرح عبد الغني لـسوريا 24: "لقد مررنا بأيام عصيبة، لكن إصرارنا على الاستمرار والعمل هو ما أعاد لهذه المهنة حيويتها. نؤمن بأن التمسك بجذورنا هو الطريق الأمثل لبناء مستقبل يحترم ماضينا."
بهذا، أصبح هذا المحل، بأدواته النحاسية اللامعة وسمعته العريقة، رمزاً للصمود والترابط الاجتماعي في الرقة، ينسج خيوطاً بين حكايات الماضي وتطلعات الحاضر، ويجسد قدرة الحرف التقليدية على البقاء جزءاً حيوياً من نسيج الحياة اليومية رغم كل التحديات.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة