المتحف البريطاني: جدل التراث المسروق ومطالبات مصر واليونان ونيجيريا باستعادة كنوزها الأثرية


هذا الخبر بعنوان "مصر وأخواتها تطالب بكنوزها .. كيف تحول المتحف البريطاني إلى أكبر سجن للتراث المسروق؟" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد المتحف البريطاني، الواقع بين أروقة التاريخ وشوارع لندن العصرية، صرحًا ثقافيًا عالميًا يجذب ملايين الزوار سنويًا للاطلاع على كنوز الحضارات المتنوعة. لكن وراء واجهته الزجاجية والحجرية، تتكشف قصة أكثر تعقيدًا وإثارة للجدل، بدأت مع افتتاحه في 15 يناير 1759، وتشابكت منذ ذلك الحين مع تاريخ إمبراطورية لم تكن تغيب عنها الشمس.
منذ نشأته، عكس المتحف طموحات بريطانيا التوسعية، حيث امتلأت قاعاته ليس فقط بفضل الاستكشاف العلمي، بل أيضًا نتيجة لحملات عسكرية وسفن حربية وصلت إلى أقصى بقاع الأرض، جلبت معها الدمار وانتزعت أهم كنوز الشعوب التي احتلتها تحت غطاء خطاب حضاري.
في قارة أفريقيا، وتحديدًا عام 1897، تعرضت مملكة بنين، الواقعة جنوب غرب نيجيريا حاليًا، لواحدة من أشد عمليات النهب الممنهج. استولت القوات البريطانية آنذاك على ما يقارب أربعة آلاف منحوتة من البرونز والعاج، والتي أصبحت لاحقًا تُزين مجموعات المتحف البريطاني ومتاحف عالمية أخرى. ورغم المطالبات النيجيرية المستمرة لعقود، وبعض الاتفاقيات الرمزية مثل صفقة عام 2018 التي نصت على “إقراض” القطع لأصحابها الأصليين، إلا أن الجزء الأكبر من هذه الكنوز لا يزال محتجزًا في لندن. وحتى عندما أعاد متحف لندني آخر قطعًا مسروقة أواخر عام 2024، ظل الموقف الرسمي للمتحف البريطاني متمسكًا بالرفض، وكأن هذه القطع باتت جزءًا لا يتجزأ من هويته، لا من هوية أحفاد من نحتوها بأيديهم وأرواحهم.
تخوض مصر معركة كبرى لا تقل أهمية، سعيًا لاستعادة أحد أعظم مفاتيح تاريخها، وهو حجر رشيد. هذا الحجر، الذي أصبح أيقونة للمتحف البريطاني ومصدرًا لا يُحصى من عائدات السياحة، يُقصد من كل مكان لرؤية هذا الكنز الذي كشف أسرار اللغة الهيروغليفية. انتقل الحجر بين أيدي القوى العظمى، من نابليون بونابرت إلى البريطانيين الذين استولوا عليه عام 1815. لكن السؤال الأخلاقي يظل قائمًا: أليس من حق الأرض التي وُلد فيها، والتي كُتبت عليه بخطوطها الثلاثة، أن تحتضنه مجددًا؟ خاصة وأن انتقاله الأخير إلى إنجلترا تم، بحسب العديد من الخبراء، بانتهاك صريح للقوانين والأعراف الأوروبية نفسها التي تدعي الحفاظ على التراث.
تتجاوز قضية مصر حجر رشيد لتشمل أكثر من 66,000 قطعة أثرية أخرى معروضة في المتحف، تتراوح بين مومياوات الفراعنة في توابيتهم المذهبة، واللوحات الجدارية التي يعود تاريخها إلى عام 1350 قبل الميلاد، وصولًا إلى التمائم والمجوهرات ومومياوات الحيوانات التي تروي قصصًا عن إيمان عميق بالحياة الأخرى.
عبر البحر المتوسط، تُطالب اليونان باستعادة رخام البارثينون، المعروف أيضًا باسم “رخام إلجين”، وهي منحوتات انتُزعت من معبد البارثينون في أثينا بين عامي 1801 و1805، إبان حكم الإمبراطورية العثمانية. تمكن اللورد إلجين، السفير البريطاني حينها، من الحصول على إذن مشكوك في شرعيته لأخذ نصف المنحوتات المتبقية، لتبدأ رحلتها نحو الشمال. ورغم بعض الخطوات الإجرائية البطيئة، مثل اتفاقية عام 2023 التي تنص على نقل بعض القطع على مراحل، إلا أن الغالبية العظمى من هذا الإرث المعماري الفريد لا تزال محتجزة بعيدًا عن ضوء شمس الأكروبوليس الذي صُممت لتعيش تحته.
لم تقتصر هذه المأساة على الحضارات العريقة فحسب، بل امتدت لتطال تراث الشعوب الأصلية، مما يمس هويتها الخاصة. ففي قاعات المتحف، تُعرض رؤوس محنطة لشعب الماوري من نيوزيلندا، تحمل وشومًا كانت ترمز إلى المكانة الرفيعة والمقدسة في ثقافتهم. ما كان يُعد أثرًا روحيًا مهمًا في احتفالاتهم، تحول مع وصول الأوروبيين عام 1770 إلى مجرد سلعة تجارية، لتنتهي رحلته المؤلمة بعرضه خلف الزجاج في أقصى الشمال، بعيدًا عن أرض أجداده.
هذه الحكايات ليست سوى جزء يسير من الواقع؛ فالمتحف البريطاني يضم قرابة ثمانية ملايين قطعة. وفي هذا السياق، يرى المحامي والأكاديمي البارز جيفري روبرتسون أن أمناء المتحف أصبحوا “أكبر متلقي للممتلكات المسروقة في العالم”، مشيرًا إلى أن الغالبية العظمى من هذه المقتنيات المنهوبة لا تُعرض للجمهور، بل تبقى حبيسة المخازن. ويؤكد روبرتسون أن مؤسسات مثل المتحف البريطاني ومتحف اللوفر “تسجن التراث الثمين لأراضٍ أخرى، سُرق من شعوبها نتيجة الحروب العدوانية والسرقة والازدواجية”. ويستنتج أن السبيل الوحيد لهذه المؤسسات لاستعادة سمعتها هو إعادة الغنائم التي نُهبت من مصر والصين وأماكن أخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
في المقابل، يعترف المتحف البريطاني بـ”التاريخ المعقد” لبعض مجموعاته، لكنه يرفض بشكل قاطع، عبر ممثليه، فكرة إعادتها لأصحابها الأصليين. يحتج مديره هارتويج فيشر، في تصريح له أواخر عام 2024، بضرورة “الحفاظ على المجموعات ككل”، مستندًا إلى قانون المتحف البريطاني لعام 1963 الذي يمنعه، وفقًا لتفسيرهم، من إعادة أي شيء. يرى العديد أن هذه الحجة واهية، خاصة وأن القانون نفسه يسمح بإعادة أي جسم يُعتبر “غير مناسب للتخزين في المجموعات”. ويعلق متحدث باسم المتحف بالقول: “لكل عنصر في المعروضات ملابساته الخاصة من الظروف الدقيقة للغاية”، مؤكدًا أن معظم القطع الأثرية التي استُولي عليها سابقًا لا تزال جزءًا لا يتجزأ من المتحف.
وهكذا، تتحول زيارة المتحف البريطاني من مجرد رحلة في عالم حضاري مبهج إلى استكشاف لدهاليز التاريخ الاستعماري وأسئلة العدالة المعلقة. كل قطعة خلف الزجاج تروي حكايتين: قصة أصلها وحضارتها، وقصة رحلتها القسرية إلى لندن. فالمتحف البريطاني العريق، هو مكان يلتقي فيه الإعجاب الفني بالتراث الإنساني مع شعور مرير بالمظالم التاريخية، مما يجعله أكثر من مجرد متحف؛ إنه ساحة حوار دائم، وصامت أحيانًا، حول ملكية التاريخ، وحق الذاكرة، والثمن البشري والثقافي الباهظ الذي دفعته شعوب العالم لتنتهي كنوزها مجرد معروضات في قصر شاسع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. المصدر: RT
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة