قوس النصر في اللاذقية: شاهد على ألفي عام من التاريخ والتحولات الاجتماعية والسياسية


هذا الخبر بعنوان "قوس النصر في اللاذقية.. مراحل تتقاطع عند حجر واحد" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في حي الصليبة، أحد أقدم أحياء اللاذقية، يقف قوس النصر شامخًا دون الحاجة إلى لافتة تعريفية. هذا البناء الحجري الرباعي يندمج مع حركة السير اليومية والمحال السكنية والتجارية، ليبدو جزءًا من المشهد العابر. لكن هذا الاندماج الظاهري يخفي وراءه تاريخًا يمتد لنحو ألفي عام، حين كانت المدينة تُعرف باسم “Laodicea ad Mare”، إحدى المدن المهمة على الساحل الشرقي للمتوسط في العصر الروماني.
تُعرّف الأدبيات الأجنبية هذا القوس باسم “Latakia Tetraporticus”، ويُرجَّح أنه شُيّد في أواخر القرن الثاني الميلادي، خلال عهد الإمبراطور الروماني سبتيميوس سيفيروس. جاء بناؤه ضمن تقليد معماري يقضي بإقامة أقواس نصر عند تقاطعات الشوارع الرئيسة أو مداخل المدن، تكريمًا للإمبراطور وتأكيدًا لحضور السلطة الرومانية في الفضاء العام. وتشير الموسوعة البريطانية “Encyclopaedia Britannica” إلى أن المدينة لا تزال تحتفظ بقوس نصر بُني على شرف الإمبراطور، بوصفه أحد أبرز معالمها الكلاسيكية الباقية.
غير أن القيمة التاريخية للقوس لا تكمن فقط في نسبته إلى حاكم بعينه، بل في موقعه الاستراتيجي كنقطة تقاطع عمرانية كانت يومًا قلب المدينة الرومانية النابض.
يقع القوس في الجهة الجنوبية من حي الصليبة، وقد أطلق عليه السكان المحليون عدة تسميات، منها “القوس المربع” و”الكنيسة المعلقة”، بينما يُعرف تاريخيًا باسم “قوس النصر”. وقد شُيّد تكريمًا لمدينة اللاذقية على وقوفها إلى جانب الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس ضد خصمه سينيوس نيجر.
يبلغ طول ضلع القوس نحو 12 مترًا، وارتفاعه قرابة 16 مترًا، ويعلوه جزء يشبه القبة نصف الكروية. يتألف البناء من أربع فتحات متفاوتة الاتساع، يعلو كلًا منها عقد حجري متقن يستند إلى أعمدة ذات تيجان كورنثية، تحمل نضدًا مزينة بأفاريز وأطناف. الوجوه الداخلية والخارجية مزخرفة بنقوش نافرة تمثل شارات النصر وسيوفًا وتروسًا وخوذًا ورماحًا، تجسّد عتاد المحاربين في الفترة الرومانية. وتبدو على الأعمدة والجدران آثار تشوّه وتآكل بفعل الزمن والرطوبة الساحلية.
كان القوس مطمورًا جزئيًا في الأرض، إلى أن أُزيلت الجدران التي كانت تسدّ فتحاته خلال أعمال تجميل حي الصليبة، ورُمّمت أجزاء منه ليستعيد شكله الأصلي ورونقه القديم، مع بقائه منخفضًا عن مستوى الشارع بنحو مترين. كما أُحيط بحديقة عامة صغيرة أبرزت ملامحه المعمارية.
على الرغم من تعرّض الساحل السوري لزلازل متكررة عبر تاريخه، بقي القوس قائمًا، في حين اندثرت أجزاء واسعة من الأبنية الرومانية الأخرى. لكن صموده الفيزيائي لا يعني حضورًا ثقافيًا مكافئًا، فالقوس اليوم محاط بعدة حدائق، وأسلاك كهرباء، وأبنية حديثة، في مشهد يعكس تداخل الأزمنة داخل المدينة الواحدة. إنه أثر يعيش داخل المدينة، لا خارجها، دون فضاء أثري معزول أو مسار تعليمي يشرح للزائر دلالاته.
بالنسبة لسعاد صوفي (48 عامًا)، التي تسكن في بناء يطل مباشرة على القوس، لا تراه مجرد أثر روماني، بل علامة ثابتة في حياتها الشخصية. تقول سعاد: “كبرت وأنا أراه من شرفة بيتنا، تغيّرت السيارات في الشارع، تغيّرت الواجهات، حتى أصوات الباعة اختلفت. القوس وحده بقي”. وتضيف أنها تشعر أحيانًا أنه شاهد على طفولتها قبل أن يكون شاهدًا على التاريخ، وعندما تسافر وتعود، “أول ما يُطمئن أنني وصلت هو أن أراه قائمًا في مكانه”. وترى أن رمزيته تتجاوز المعلومات التاريخية، فهو “ليس حجرًا فقط، بل شيء يذكّرنا أن هذه المدينة أقدم من كل ما نعيشه اليوم، وأنها مرّت بما هو أصعب وبقيت”.
أما سامر شيخ ديب (35 عامًا)، صاحب متجر قريب من القوس، فيعتبر أن القوس يمثّل علامة غير معلنة لهوية اللاذقية، لأن المدن تُعرَف بمعالمها. ويقول: “البعض يملك أبراجًا حديثة، والبعض يملك أسواقًا قديمة، نحن لدينا هذا القوس، قد لا ننتبه له يوميًا، لكنه موجود في صورنا وذاكرتنا، حين أقول لشخص من خارج المدينة: تعال إلى القوس، يعرف أنني أحدد له قلب اللاذقية”.
وتحدثت هناء عليو (62 عامًا)، من مواليد الحي، عن القوس وتحولات المكان قائلة: “كنا نلعب قربه ونحن أطفال دون أن ندرك قيمته، اليوم أشعر أنه يحمل طبقات من حياتنا نحن أيضًا، لا طبقات التاريخ فقط”. وتتابع أنه “لو غاب القوس يومًا، ستشعر المدينة بفراغ، ليس لأنه موقع سياحي، بل لأنه جزء من شكلها، هو مثل ملامح الوجه، قد لا نفكر بها، لكن غيابها يغيّر كل شيء”.
لم يعد قوس النصر في اللاذقية مجرد بقايا حجرية من القرن الثاني الميلادي، ولا معلمًا سياحيًا بالمعنى التقليدي، بل هو نقطة تماس بين الماضي والحاضر، بين مدينة رومانية مزدهرة ومدينة معاصرة تبحث عن توازنها. بين المرور العابر والنظر المتأمل، يقف القوس في مكانه منذ قرون. والسؤال لم يعد متعلقًا بقدرته على الصمود، بل بقدرة المدينة على إعادة قراءة ما تبقى من ذاكرتها الحجرية، قبل أن يتحول الأثر إلى خلفية صامتة لا يُلتفت إليها.
لم يبقَ قوس النصر أسير طبقة رومانية من التاريخ، بل دخل، بعد قرون، في طبقة أخرى أكثر التباسًا وحداثة. ففي ربيع عام 2011، ومع بدايات الاحتجاجات الشعبية في سوريا، تحوّل محيط القوس إلى نقطة تجمّع لأبناء اللاذقية الذين خرجوا مطالبين بالتغيير، في مواجهة نظام بشار الأسد. لم يكن اختيار المكان مصادفة خالصة، فالمعالم الكبرى في المدن غالبًا ما تتحول إلى منصات رمزية في لحظات التحول التاريخي. تحت القوس الذي شُيّد يومًا لتكريس سلطة إمبراطور روماني، ارتفعت هتافات رافضة لسلطة معاصرة، الحجر الذي كان إعلانًا عن انتصار إمبراطوري، صار خلفية لمطالبة مدنية بالحرية. في تلك اللحظة، بدا كأن التاريخ يعيد ترتيب رموزه، لا بإزالة القديم، بل بإعادة تأويله.
يتذكر بعض أبناء الحي أن التجمعات الأولى كانت صغيرة ومتوترة، لكن حضور القوس في المشهد منحها بعدًا رمزيًا خاصًا. لم يكن مجرد موقع جغرافي يتوسط الطرق، بل نقطة ذات ثقل بصري ومعنوي، فهو مكان يعرفه الجميع، وتلتقي عنده مسارات المدينة كما تتقاطع فيه طبقات زمنها.
وفي عام 2012، ومع تصاعد الصراع وتحول الحراك إلى العمل المسلح، تشكّلت في ريف اللاذقية أولى التشكيلات العسكرية من أبناء المدينة المنشقين عن الجيش النظامي، ضمن صفوف “الجيش السوري الحر”، وحمل التشكيل اسم “كتيبة قوس النصر”. لم يكن الاسم عابرًا أو زخرفيًا، بل تعبيرًا عن محاولة استحضار رمز محلي، وإعادة شحنه بدلالة جديدة. في هذا الانتقال، خرج القوس من كونه شاهدًا صامتًا على تاريخ قديم، ليصبح جزءًا من سردية حديثة سعت إلى تغيير سياسي، ولا تزال مثقلة بالجراح والانقسامات.
ثقافة
سوريا محلي
ثقافة
اقتصاد