إذاعة دمشق: ذاكرة الأمة ومنصة النجوم.. المخرج مازن لطفي يروي تاريخها الفني والثقافي


هذا الخبر بعنوان "المخرج الإذاعي مازن لطفي: إذاعة دمشق ذاكرة وطنية ومنصة لنجوم الفن العربي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ الثالث من شباط عام 1947، حين انطلق صوت "هنا دمشق"، لم تكن إذاعة دمشق مجرد محطة بث عادية، بل غدت ذاكرة سمعية حية للوطن، ومنصة عبور رئيسية لأبرز الأصوات العربية، ومرآة عاكسة للتحولات الثقافية العميقة التي شهدتها سوريا والمنطقة على مدى عقود طويلة. بدأ البث الإذاعي بصوت الأمير يحيى الشهابي، لتستهل الإذاعة بذلك مرحلة ريادية مبكرة، أسست خلالها لمنبر فني واسع احتضن الدراما والموسيقا والغناء العربي. كما احتضنت في مسيرتها العديد من المواهب الشابة التي لمعت لاحقاً في المشهد الفني، وأتاحت المجال لأعمال فنية لم تجد طريقها إلى النشر في أماكن أخرى، لتنطلق من دمشق نحو الساحة العربية الأوسع.
وعلى الرغم من مراحل الازدهار التي مرت بها وما رافقها من فترات تراجع، ظلت الإذاعة محافظة على حضورها القوي في الوجدان الثقافي، قبل أن تتأثر سلباً خلال سنوات الثورة السورية بسبب الإهمال الذي طال مؤسسات إعلامية وثقافية عديدة في تلك الحقبة زمن النظام البائد. تتجلى هذه المحطات التاريخية في شهادة المخرج الإذاعي المخضرم مازن لطفي لوكالة سانا، حيث يصف الإذاعة بأنها "كائن حي" صمد في وجه الحروب والتحولات، وواصل عطاءه وإنتاجه الفني رغم شح الإمكانات والتقلبات السياسية المتتالية.
يؤكد لطفي أن علاقة إذاعة دمشق بالمجتمع كانت وثيقة للغاية، نظراً لصدق العمل الإذاعي ونبعه من القلب. فمنذ تأسيسها، اضطلعت بدور الصوت الوطني المعبر عن جميع شرائح المجتمع، وقدمت أعمالاً درامية اجتماعية بارزة، كان من أشهرها مسلسل "صابر وصبرية" في أواخر الستينيات، من بطولة تيسير السعدي وصبا المحمودي. كما تطرقت الإذاعة إلى الظواهر العلمية الغامضة من خلال برنامج "ظواهر مدهشة".
ويلفت لطفي إلى أن إذاعة دمشق كانت بمثابة مهد انطلاق لنجوم "الزمن الجميل" نحو الشهرة العربية الواسعة. فمن أثيرها، بُثّت أغنية "صافيني مرة" لعبد الحليم حافظ للمرة الأولى بعد أن رفضتها إذاعة "صوت العرب"، وهو ما أسهم بشكل كبير في انطلاقته الفنية، بالإضافة إلى تسجيله أعمالاً أخرى فيها. ووفقاً لمازن لطفي، تعترف الفنانة فيروز بفضل الإذاعة عليها في بدايات مسيرتها، حيث انطلقت منها أغنية «يا ربى» بعد رفضها من إذاعة لبنان، كما سجلت مع الأخوين رحباني أعمالاً شكلت محطة مفصلية في انتشارهم العربي.
ومن بين الأصوات البارزة التي صدحت عبر أثيرها، غنت هيام يونس بين عامي 1958 و1959 وهي طفلة، وسجلت شقيقتها نزهة يونس أعمالاً فنية فيها. كما غنت دلال الشمالي أغنية "لأهجر قصرك"، وتعاونت ليلى مطر مع كبار الملحنين خلال فترة إقامتها في سوريا. واستقطبت الإذاعة أيضاً المغنية علية التونسية التي سجلت فيها عدة أغانٍ. وشهدت فترة الستينيات حضوراً غنائياً أردنياً مميزاً تمثل بفيصل حلمي وفؤاد حجازي، بالإضافة إلى أصوات مصرية مثل حسني شريف ومحمد العباري الذي أدى أغنية "أبداً مش قادر على بعدك". كما استضافت الإذاعة الفنانة أمينة رزق في تمثيليتين إذاعيتين، إلى جانب النجمين فريد شوقي ويوسف شعبان.
في سياق متصل، يوضح لطفي أن إذاعة دمشق تحولت إلى ملاذ آمن خلال اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث احتضنت عدداً من الممثلين اللبنانيين الذين وجدوا فيها فرصة للاستمرار في عملهم الفني. ومن هؤلاء الفنانين: محمود سعيد، عماد فريد، أحمد الزين، سميرة البارودي، فريال كريم، جوزيف نانو، وحيد جلال وعلي الزين. وقد استعان لطفي ببعضهم في برنامج "سنابل الأدب" المقتبس من الأدب العالمي، بالإضافة إلى أعمال دينية مثل "ليلة التنزيل" و"موكب الهجرة". وقد سُجلت بعض هذه الأعمال بين دمشق وإذاعة لبنان قبل أن يتم جمعها ومونتاجها بإمكانات محدودة.
ويصف لطفي الفترة الممتدة بين عامي 1986 و2000 بـ«الفترة الذهبية» للإذاعة، نظراً لغزارة الإنتاج وارتفاع مستواه الفني، ورفع التعرفة الإذاعية بنسبة 50 بالمئة. إلا أن هذه الفترة تلتها تراجع في القيمة الفعلية للأجور بعد عام 2000، وهو ما انعكس سلباً على مستوى الدراما الإذاعية.
يشير لطفي إلى أن سنوات الثورة السورية كانت عصيبة للغاية، لكن العمل الإذاعي استمر بدافع الواجب الأخلاقي، رغم ضعف التعرفة وصعوبة الظروف. ويستذكر في هذا الصدد اعتقال المونتير هشام موصلي ووفاته تحت التعذيب، مؤكداً أن النظام البائد كان يحارب الإعلام. ويوضح لطفي أن الإذاعة ركزت خلال تلك الفترة على أعمال اجتماعية، وأخرى تتناول قضيتي فلسطين وغزة، بالإضافة إلى أعمال تاريخية عن بطولات أبناء الغوطة في مواجهة الانتداب الفرنسي. ويعرب لطفي عن أمله بأن تستعيد إذاعة دمشق دورها الريادي في "سوريا الجديدة"، لتكون منبراً للإبداع الحر وصوتاً يليق بتاريخها العريق.
تجدر الإشارة إلى أن مازن لطفي بدأ مسيرته المهنية في إذاعة دمشق عام 1972، وحصل على عضوية نقابة الفنانين عام 1973. وقد أخرج وأعدّ عشرات الأعمال الإذاعية، وشارك في أكثر من خمسين عملاً درامياً. كما نال العديد من الجوائز المرموقة، منها الجائزة الذهبية في مهرجان تونس عام 1986 عن برنامج "سنابل الأدب"، وجوائز الإبداع الذهبي في مهرجان القاهرة للإعلام العربي عن أعماله "مفترق المطر"، "ظواهر مدهشة"، و"صوت في الذاكرة".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة