سوريا تستعيد دورها البحري: طرطوس تحتضن حوض سفن متكاملاً لتعزيز الصناعة والاقتصاد


هذا الخبر بعنوان "الساحل السوري… من الجغرافيا والسياحة إلى الصناعة البحرية..عثمان:إنشاء حوض سفن متكامل في طرطوس يعني تحويل الجغرافيا إلى قيمة إنتاجية فعلية وربط المرافئ السورية بسلسلة الصناعة البحرية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم نهلة أبو تك: لم يعد البحر السوري مجرد ممرٍ للسفن، ولا الساحل واجهة جغرافية تنتظر الاستثمار. فمع إطلاق صناعة السفن في مرفأ طرطوس، تفتح سوريا فصلاً جديداً في اقتصادها البحري، ينتقل بها من مجرد العبور والخدمة إلى الإنتاج والتصنيع. هذه الخطوة تثير تساؤلاً اقتصادياً وسيادياً مهماً: هل تبدأ سوريا استعادة دورها البحري من بوابة الصناعة بدلاً من الانتظار؟ في هذا الإطار، يمثل توقيع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك اتفاقية استثمار استراتيجية مع شركة تركية متخصصة في صناعة وبناء وصيانة السفن، نقطة تحول مفصلية للمرافئ السورية. تهدف الاتفاقية إلى إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، سيكون قادراً على توفير خدمات الصيانة والإصلاح والبناء والتحويل بمعايير دولية، لخدمة الأسطول الوطني واستقطاب سفن من المنطقة والعالم.
من جانبه، يرى الخبير البحري ورئيس غرفة الملاحة البحرية السورية، القبطان محمد جمال عثمان، أن أهمية هذا المشروع تتجاوز مجرد منشآته، لتكمن في إعادة تعريف الدور الاقتصادي للساحل السوري. وأوضح عثمان في تصريح لـ"الحرية" أن سوريا تتمتع بموقع جغرافي استثنائي على شرق المتوسط، لكن هذا الموقع لم يُستثمر صناعياً بما يتناسب مع قيمته الجغرافية لفترة طويلة. ويشدد القبطان عثمان على أن إقامة حوض سفن متكامل في طرطوس سيحول الجغرافيا إلى قيمة إنتاجية حقيقية، ويربط المرافئ السورية بسلسلة الصناعة البحرية، متجاوزاً بذلك دور المرافئ الخدمية فقط. وهذا بدوره سيخفف الضغط عن الأسطول الوطني ويمنح الملاحة السورية مرونة تشغيلية كانت تفتقر إليها لسنوات.
وفي سياق متصل، يؤكد القبطان عبد الله بياضو أن المشروع يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار الملاحة السورية. وأشار إلى أن وجود حوض سفن متكامل في طرطوس سيوفر للأسطول السوري استقلالية تشغيلية طال انتظارها، بعد سنوات من الاعتماد على المرافئ الأجنبية لأعمال الصيانة والإصلاح، وما ترتب على ذلك من تكاليف باهظة وتأخير في حركة السفن. ويرى بياضو أن هذه المبادرة لا تقتصر على تعزيز جاهزية الأسطول الوطني فحسب، بل تمهد الطريق لسوريا للمنافسة بحرياً في حوض المتوسط، وتدفعها نحو الانخراط الفعلي في صناعة السفن وفق المعايير الدولية، بدلاً من الاكتفاء بخدمات الصيانة.
تتميز الاتفاقية بكونها استثماراً طويل الأمد يمتد لثلاثين عاماً، دون أن تُحمّل الخزينة العامة أي أعباء مالية مباشرة. وتُلزم الشركة المستثمرة بتجهيز البنية التحتية بالكامل، بما في ذلك الأرصفة والمعدات والمرافق التشغيلية المتطورة، مما يجعلها نموذجاً للشراكة الاستثمارية طويلة الأجل. وتتضمن الاتفاقية أيضاً حوافز خاصة لتسهيل أعمال السفن الحكومية، وهو ما يعزز التكامل بين القطاعين العام والخاص، ويضع أسساً لمرحلة جديدة في إدارة الأصول البحرية السورية على مبادئ إنتاجية مستدامة.
لا يقل البعد الاجتماعي للمشروع أهمية عن بعده الاقتصادي، حيث يُتوقع أن يوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، مع إعطاء أولوية واضحة للكوادر السورية بنسبة لا تقل عن 95%. ويشير القبطان محمد جمال عثمان إلى أن القيمة الجوهرية للمشروع تكمن في نقل المعرفة وتطوير الخبرات الهندسية والفنية البحرية، مما يرسخ دعائم صناعة وطنية مستدامة، ويعيد المكانة للكفاءات السورية في قطاع حيوي ظل بعيداً عن الاستثمار الصناعي الحقيقي لعقود.
إلى جانب آثاره المباشرة، يحمل هذا المشروع رسالة اقتصادية أوسع، تعكس توجه سوريا نحو الانفتاح على الاستثمارات الإقليمية واستعادة حضورها في قطاع حيوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجارة العالمية. فمع توفر حوض قادر على استيعاب السفن الكبيرة وتقديم خدمات الصيانة والبناء والتحويل، يصبح الساحل السوري مؤهلاً للتحول إلى مركز لوجستي وصناعي جاذب في شرق المتوسط، مما سينعكس إيجاباً على الإيرادات العامة، والضرائب، وحركة الشحن، وسلاسل التوريد المرتبطة بها.
إن إطلاق مشروع حوض السفن المتكامل في مرفأ طرطوس ليس مجرد حدث تقني عابر، بل هو خطوة استراتيجية تعيد تحديد دور المرافئ السورية، وتضع الأسطول الوطني على مسار الاستقلالية، وتفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد في مجالات الإنتاج والتشغيل. وفي هذه المرحلة التي تتلاقى فيها الحاجة الاقتصادية مع الفرصة الجغرافية، تظهر طرطوس اليوم كأكثر من مجرد مرفأ لاستقبال السفن؛ إنها منصة لصناعة مستقبل سوريا البحري. (أخبار سوريا الوطن2-الحرية)
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد