من وعود التحرير إلى حصار الذات: كيف دفنت "قسد" مجدها في الرقة؟


هذا الخبر بعنوان "حين تختار السلطة أن تكون سجناً… كيف دفنت "قسد" نفسها ومجدها في الرقة؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تدخل مليشيا قسد إلى الجزيرة السورية ومدينة الرقة كقوة عابرة، بل جاءت رافعةً رايات "التحرير" و"الاستقرار" و"المستقبل المختلف". كانت لحظة دخولها اختباراً حقيقياً: إما أن تتحول إلى سلطة تسعى لشرعيتها من الشعب، أو أن تنكشف سريعاً كسلطة أمر واقع ترى في المجتمع مجرد عبء يجب إخضاعه. وما تلا ذلك لم يترك مجالاً للشك.
لو أن قسد تعاملت بعقلية الدولة لا المليشيا، ولو نظرت إلى الرقة كمدينة لا كغنيمة، ولو رأت في أهل الجزيرة شركاء لا خصوماً، لكان المشهد مختلفاً جذرياً. لم يكن المطلوب معجزات أو وعوداً كبرى، بل مجرد حياة طبيعية. لكن قسد اختارت منذ البداية بناء سلطتها على الخوف بدلاً من القانون، وعلى الأجهزة الأمنية بدلاً من المؤسسات، وعلى السجون بدلاً من الثقة.
بدلاً من إنفاق ثروات المنطقة على إعادة الإعمار وبناء المدارس والمشافي، جرى نهبها بشكل ممنهج، وتحويل النفط والزراعة إلى مصادر تمويل مغلقة لا يعلم أهل الأرض عنها شيئاً. وبدلاً من فتح الساحات للسياسة والإعلام والمجتمع المدني، أُغلقت المدينة بسلسلة من الحواجز، وتحولت الأحياء إلى مناطق مراقبة، وحُفرت الأنفاق، وأُقيمت السجون، وغُيّب المعتقلون دون لوائح اتهام أو محاكمات، وكأن الرقة خُلقت لتبقى تحت الاشتباه الدائم.
لم تكن الرقة مدينة متمردة بطبعها، ولم تكن الجزيرة أرضاً معادية لفكرة الدولة. بل على العكس، أظهرت جميع المراحل أن المجتمع كان مستعداً لتقبل أي سلطة تمنحه الحد الأدنى من العدالة والكرامة. لكن قسد لم تسعَ للقبول، بل للخضوع. لم تبحث عن شراكة، بل عن إذعان. وعندما طُرحت فرص للتفاهم، ومنها اتفاق آذار، قوبل ذلك بالتعنت ورفع السقوف ووضع العقبات، وكأن القوة العسكرية وحدها كفيلة بحماية مشروع يفتقر للجذور الشعبية.
اليوم، وبعد خسارة أحياء في حلب، وسقوط بلدات في ريفها، وانهيار معظم الريف الغربي والجنوبي للرقة، تتقلص المساحة الجغرافية وتتكشف الحقيقة السياسية. فما يُحاصر الآن داخل مدينة الرقة ليس مجرد قوة عسكرية، بل نموذج كامل فشل في أن يكون مقنعاً. إن المشكلة لم تبدأ بالخسائر الميدانية، بل بدأت يوم قررت قسد أن تحكم الناس بدلاً من أن تحكم بالقانون.
الرقة التي صبرت على الدمار، ثم على الوصاية، ثم على القمع المقنع بشعارات براقة، لم تكن تطلب سوى أن تُعامل كمدينة حية، لا كملف أمني. لكنها وُضعت في قفص طويل، ومع كل باب أُغلق، كانت قسد تغلق على نفسها مخرجاً آخر. واليوم، حين تُحاصر داخل المدينة، يبدو المشهد وكأنه نتيجة منطقية لمسار طويل من الإقصاء والعناد وسوء التقدير.
الدرس هنا واضح وقاسٍ في آن واحد: السلطة التي تختار أن تكون سجناً، لا يمكنها أن تتفاجأ حين تتحول مدن كاملة إلى أبواب مغلقة في وجهها. ومن يبدد فرصة بناء دولة، لن يبقى له في النهاية سوى خرائط تتقلص، وجدران تضيق، ومدينة تراقب سقوطه بصمت ثقيل. فمن لا يبني شرعيته مع الناس، سيحاصر نفسه بنفسه، حتى لو امتلك السلاح كله. ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة