في خضم الانفجار الرقمي وتدفق المحتوى الإعلامي المتسارع، لم تعد عملية التنشئة النفسية والاجتماعية للأبناء مقتصرة على الأسرة والمدرسة فحسب، بل أصبحت الشاشات بمختلف أشكالها شريكًا أساسيًا في صياغة الوعي والهوية والانتماء. تتضاعف خطورة هذا الواقع في الحالة السورية، نتيجة للاستقطاب السياسي والطائفي الحاد، والإرث الصدمي للحرب، وتراجع دور المؤسسات التربوية، وشبه غياب الرقابة الفعلية على المحتوى. هنا، تبرز الأسرة ليس فقط كحاضنة عاطفية، بل كخط الدفاع الأول عن الصحة النفسية والفكرية للأبناء.
يرى الباحث الأكاديمي المتخصص في التربية والسكان والتنمية، الدكتور ياسر محمد علوش، في حديثه إلى عنب بلدي، أن دور الأسرة تجاوز الرعاية الجسدية أو التوجيه الأخلاقي ليشمل إعداد الأبناء لمواجهة التحديات الفكرية والإعلامية التي تفرضها البيئة الحديثة. ويشير الاختصاصي التربوي إلى أن الطفل الذي ينشأ في بيت واعٍ يتعلم منذ صغره طرح الأسئلة، والتمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة، ووزن ما يُعرض عليه بميزان العقل والقيم.
مهام الأسرة في تحليل المحتوى
يعدد الدكتور علوش مهام الأسرة الأساسية التي تسهم بشكل كبير في مساعدة الأبناء على تحليل المحتوى:
- الأسرة كقدوة حسنة: يتعلم الطفل بالسلوك أكثر من الكلام. فعندما يرى والديه يتعاملان مع الأخبار والمحتوى الرقمي بعقلانية، يدرك أن التسرع في الحكم خطأ وأن التحقق من المصدر قيمة أساسية. ويؤكد على أهمية ممارسة النقد الواعي أمام الأبناء، ومشاركتهم في اختيار البرامج أو الصفحات التي يتابعونها.
- تعزيز الحوار والتفكير النقدي: لا يُبنى التفكير النقدي بالمنع أو التلقين، بل بالنقاش الحر الذي يعلم الطفل أن يسأل: “من كتب هذا؟ ولماذا؟”. فالحوار الأسري يفتح المجال أمام الأبناء لاختبار أفكارهم. على سبيل المثال، جلسة مسائية تناقش فيها الأسرة مقطعًا متداولًا على “فيسبوك”، ويسأل الأب: “هل يبدو منطقيًا؟ ما الهدف من نشره؟”. كما يذكر علوش موقفًا حياتيًا آخر: طفل يروي قصة شاهدها على “يوتيوب”، فيسأله والده: “من صاحب القناة؟ هل هدفه التعليم أم التسلية؟”.
- توجيه الاستخدام الرقمي: الأجهزة الرقمية جزء لا يتجزأ من حياة الأبناء، ودور الأسرة هو تحويلها من أداة استهلاك إلى وسيلة تعلم. التوجيه، بحسب علوش، يعني الموازنة بين الترفيه والمعرفة. مثال: أم تضع جدولًا لاستخدام الهاتف: ساعتان للترفيه، وساعة لمتابعة قناة تعليمية، وتشرح لابنها أن الهدف هو الاستفادة من التكنولوجيا بدل أن تسيطر عليه. وموقف حياتي آخر: أب يشجع ابنته على متابعة منصة تعليمية للعلوم بدلًا من قضاء ساعات على الألعاب.
- بناء الشخصية المتكاملة: يوضح الاختصاصي التربوي أن تحليل المحتوى ليس مجرد مهارة عقلية، بل يرتبط بتكوين شخصية متوازنة تحمل قيمًا أخلاقية واجتماعية. فالطفل الذي يتعلم الصدق والاحترام يصبح قادرًا على رفض الشائعات والأخبار الكاذبة.
ويختتم الدكتور علوش حديثه لعنب بلدي بأن الأسرة عندما تدرك أن التربية لم تعد مجرد تلقين، بل هي إعداد لجيل قادر على التفكير النقدي والتمييز بين الحق والباطل، تصبح قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والمخاطر إلى دروس، والمحتوى العابر إلى خبرة واعية. وبالتالي، فإن الاستثمار في دور الأسرة هو استثمار في مستقبل المجتمع كله، إذ ينشأ الأبناء على وعي يحميهم، وقيم ترفعهم، وشخصية متوازنة تجعلهم بناة للغد لا أسرى للماضي.
من منظور نفسي
من جانبها، تقول الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، لعنب بلدي، إن دور الأسرة من المنظور النفسي لا يتمثل في المنع أو العزل، بل في:
- تنمية التفكير النقدي: مساعدة الطفل والمراهق على التمييز بين الرأي والمعلومة، الخبر والدعاية، العاطفة والحقيقة.
- تنظيم الاستجابة الانفعالية: تشير إلى أن الكثير من المحتوى المتداول في السياق السوري محمّل بالخوف، الغضب، الكراهية أو الشعور بالتهديد، وأن دور الأسرة يكون باحتواء الانفعال، وتسميته، ومناقشته بدل كبته أو تضخيمه.
- بناء منظومة قيم داخلية: عندما تكون القيم واضحة (العدالة، الكرامة، التعدد، المسؤولية)، يصبح الابن أقل قابلية للانجرار خلف خطاب الكراهية أو التطرف.
هل الأسرة السورية مؤهلة؟
ترد الدكتورة العرنوس بأن الإجابة المهنية الصادقة عن هذا السؤال هي: “جزئيًا” و”غالبًا لا بما يكفي”، وذلك لمجموعة أسباب تتمثل بـ:
- إرهاق نفسي مزمن لدى الأهل (قلق، صدمات غير معالجة، ضغوط معيشية).
- فجوة رقمية بين الأجيال.
- تسييس الوعي الجمعي حتى داخل الأسرة الواحدة.
- انتقال الأهل أنفسهم من دور “المحلل” إلى دور “المتلقي المنفعل”.
وتؤكد الاستشارية النفسية الأسرية أن هذا لا يعني فشل الأسرة، بل يعني أنها بحاجة إلى دعم وتأهيل لا إلى إدانة.
توصيات لتأهيل وتدريب الأسرة
- التأهيل النفسي قبل التربوي: تؤكد الدكتورة العرنوس أنه لا يمكن لأهل يعيشون في حالة خوف أو غضب دائم أن يربّوا أبناء على التفكير الهادئ، وتنصح بـ: جلسات دعم نفسي جماعي، برامج توعية حول الصدمة العابرة للأجيال، وكسر فكرة أن “التحمّل” بديل عن المعالجة.
- الوعي الإعلامي للأسرة: تتحدث الاستشارية عن أهمية إجراء ورشات مبسطة لتشكيل هذا الوعي حول: كيف تُصنع الأخبار؟ ما المحتوى الموجّه؟ كيف تعمل الخوارزميات؟
- إعادة تعريف السلطة الأبوية: تقول الدكتورة العرنوس إن من الضروري الانتقال من سلطة المنع إلى سلطة الحوار، ومن التخويف إلى الشرح، ومن التحكم إلى الإرشاد.
- خطوات وإجراءات رقابية واقعية داخل الأسرة: وضع قواعد واضحة ومعلنة لاستخدام الأجهزة، تخصيص وقت عائلي بلا شاشات، استخدام أدوات الرقابة التقنية كوسيلة مساعدة لا كحل وحيد. وتوضح الاستشارية العرنوس أهمية مراقبة التغيرات السلوكية والانفعالية (انسحاب، عدوانية، خوف زائد، لغة كراهية مفاجئة)، وعند ظهور هذه المؤشرات، لا نبحث عن “الخطأ” بل عن الرسالة النفسية خلف السلوك.
مقاربة خاصة بالحالة السورية
تشير الاستشارية إلى أن الأسرة في المجتمع السوري لم تعد فقط مؤسسة تربية، بل صارت مساحة تعويض عن غياب الأمان، وخط صدّ أمام تطبيع العنف، وجسرًا بين الذاكرة الجريحة والمستقبل. بالتالي، فإن تربية الأبناء على تحليل المحتوى ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة نفسية وأخلاقية لحماية جيل نشأ في بيئة مشحونة بالاستقطاب والخسارات.
توصيات نفسية ختامية
تختم الاستشارية النفسية والأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس حديثها لعنب بلدي بمجموعة توصيات، تشمل:
- ابدؤوا بأنفسكم قبل أبنائكم: لا يمكن للأسرة أن تربي أبناء على الوعي والتحليل وهي تعيش حالة إنكار، استقطاب حاد أو إنهاك نفسي غير معالج. الاعتراف بالتعب النفسي وطلب الدعم ليس ضعفًا، بل شرط أساسي للتربية السليمة.
- استبدلوا ثقافة المنع بثقافة الفهم: المنع يولّد الخوف أو التمرد، بينما الفهم يبني مناعة نفسية داخلية. المطلوب ليس حماية الأبناء من كل محتوى، بل تزويدهم بالأدوات النفسية والعقلية للتعامل معه.
- ربّوا على السؤال لا على الإجابة الجاهزة: الطفل أو المراهق الذي يتعلّم كيف يسأل، أقل عرضة للتطرف وأكثر قدرة على مقاومة التضليل. شجّعوا التساؤل حتى عندما يكون مزعجًا أو مخالفًا لقناعاتكم.
- افصلوا بين المشاعر والمواقف: من حق الأبناء أن يغضبوا، أن يحزنوا، أن يخافوا مما يرونه، لكن من واجب الأسرة أن تعلّمهم أن المشاعر لا يجب أن تتحوّل إلى كراهية أو عنف أو تعميم.
- قدّموا نموذجًا صحيًا في التعاطي مع الخلاف: طريقة نقاش الأهل للأخبار والسياسة والاختلافات داخل البيت هي الدرس الأقوى غير المباشر. الاحترام، التحقق، والاعتراف بالخطأ أدوات تربوية صامتة لكنها فعّالة.
- راقبوا الأثر النفسي لا المحتوى فقط: الخطر لا يكمن دائمًا في نوع المحتوى، بل في أثره: قلق زائد، تطبيع مع العنف، انسحاب اجتماعي، أو لغة عدائية. هذه إشارات تستدعي الحوار والدعم لا العقاب.
- لا تحمّلوا الأبناء أعباء الصراع الجمعي: الأبناء ليسوا مشاريع سياسية ولا امتدادًا لصراعات الكبار. من حقهم أن ينموا نفسيًا بعيدًا عن ثقل الاصطفاف والذاكرة الجريحة.
- اعترفوا بأن التربية اليوم عمل تشاركي: الأسرة وحدها لا تكفي. المطلوب تعاون مع المدرسة، المختصين النفسيين، والمبادرات الثقافية والإعلامية التي تدعم الوعي النقدي.
- تذكروا أن الحياد ليس الهدف بل الإنسانية: الهدف ليس إنتاج جيل “محايد”، بل جيل قادر على الفهم دون شيطنة، وعلى الاختلاف دون إلغاء، وعلى التعبير دون عنف.
- راهنوا على الزمن الطويل لا النتائج السريعة: بناء وعي نقدي عملية تراكمية. كل حوار صغير، كل سؤال، كل لحظة احتواء هي استثمار نفسي بعيد المدى.