أزمة الكهرباء في شمال شرقي سوريا: "الأمبيرات" تجارة الظلام وحلول مكلفة


هذا الخبر بعنوان "“الأمبيرات”.. تجارة “العتمة” تزدهر في مدن شمال شرقي سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد أزمة الكهرباء في مناطق شمال شرقي سوريا، الخاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية"، من أكثر التحديات تعقيدًا وإرهاقًا للسكان. فقد تحولت المدن الكبرى، التي كانت تعتمد على محطات الغاز والسدود لتغذيتها، إلى مناطق يغلب عليها الظلام الدامس، في ظل نظام تقنين قاسٍ وصل في كثير من الأحيان إلى انقطاع تام للتيار الكهربائي لأسابيع متواصلة.
وبناءً على المتابعات الميدانية، يواجه الأهالي في محافظات الحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور وريف حلب الشرقي واقعًا خدميًا مترديًا، مما دفعهم للبحث عن بدائل مكلفة. يتزامن ذلك مع استمرار تراجع منسوب مياه نهر الفرات، الأمر الذي جعل الحصول على "الكهرباء النظامية" حلمًا بعيد المنال.
منذ أواخر عام 2024 وحتى مطلع عام 2026، شهدت الشبكة الكهربائية في شمال شرقي سوريا تدهورًا حادًا وغير مسبوق. فبعد أن كانت المدن الرئيسية مثل القامشلي والحسكة وعين العرب (كوباني) تتمتع بساعات تغذية "مقبولة" نسبيًا خلال السنوات الأولى للحرب، تفاقم الوضع ليصل التقنين إلى أكثر من 22 ساعة يوميًا. وفي بعض المناطق الريفية والتجارية، انقطعت الكهرباء "النظامية" بشكل كامل منذ أشهر.
وفقًا لما نقلته وكالة "هاوار" عن "هيئة الطاقة" في "الإدارة الذاتية"، يعود الشلل الذي أصاب قطاع الطاقة إلى سببين رئيسين: أولهما هو خروج محطة "السويدية" الحيوية في ريف القامشلي عن الخدمة بشكل شبه كامل، نتيجة الهجمات التركية التي استهدفت توربينات الغاز ومنشآت تكرير النفط المغذية لها. أما السبب الثاني، فيتمثل في تراجع الوارد المائي من الجانب التركي لنهر الفرات، مما أدى إلى تعطل التوربينات في سدي "تشرين" و"الفرات"، وهما المصدران الرئيسيان لتغذية مدينتي الرقة والطبقة وريف دير الزور.
لم يقتصر تأثير هذا الواقع على الإنارة المنزلية فحسب، بل شلّ الحركة الصناعية، وأدى إلى توقف ورشات الخياطة ومعامل الأغذية، كما أثر بشكل مباشر على ضخ مياه الشرب من محطة "علوك" وغيرها، مما وضع المنطقة أمام كارثة إنسانية وخدمية مضاعفة.
أمام الغياب شبه التام للكهرباء الحكومية، لم يجد الأهالي بدًا من الاعتماد الكلي على المولدات الكهربائية الكبيرة الموزعة في الأحياء، وهو ما يُعرف محليًا بنظام "الأمبيرات". ورغم أن هذا النظام يوفر الحد الأدنى من الإنارة وتشغيل الأجهزة البسيطة، إلا أنه بات عبئًا ماديًا ثقيلًا يستنزف جيوب المواطنين.
قالت "أم خلف" (45 عامًا)، وهي ربة منزل من سكان مدينة الحسكة، لعنب بلدي: "نحن نعيش في دوامة لا تنتهي. الكهرباء النظامية ضيف ثقيل لا نراه إلا دقائق في اليوم، والأمبيرات تستنزف نصف دخلنا الشهري". وأضافت أن سعر "الأمبير" الواحد يرتفع باستمرار بحجة غلاء المازوت وتكاليف الصيانة، و"مع ذلك لا نحصل إلا على أربع أو خمس ساعات في المساء". وتساءلت: "هل يعقل أن نعيش في أغنى مناطق سوريا بالنفط ونشتري الكهرباء من المولدات بأسعار خيالية؟ نحن لا نطلب الرفاهية، نطلب فقط أن تبرد مياهنا في الصيف ونشحن هواتفنا في الشتاء".
تشهد أسعار اشتراك "الأمبيرات" تخبطًا بين مدينة وأخرى. ففي القامشلي، قد يصل سعر "الأمبير" الواحد إلى أرقام تتجاوز قدرة الموظف العادي، حيث تتدخل لجان البلدية لتحديد السعر. لكن أصحاب المولدات غالبًا ما يلوحون بالإيقاف نتيجة نقص المحروقات المدعومة أو غلاء قطع التبديل المستوردة بالدولار، مما يترك المواطن في مواجهة مباشرة مع العتمة.
خلال السنتين الأخيرتين، وبالتزامن مع اليأس من عودة التيار الكهربائي، انتشرت ألواح الطاقة الشمسية بشكل كثيف فوق أسطح المنازل والمحال التجارية. تحولت هذه التكنولوجيا من "خيار إضافي" إلى "ضرورة قصوى"، لتغير ملامح المدن التي غطت الألواح الزجاجية أسطح أبنيتها. إلا أن هذه "النهضة الضوئية" ليست متاحة للجميع، فتكلفة تركيب منظومة طاقة شمسية منزلية (تتضمن الألواح والبطاريات والإنفيرتر) تتراوح بين 1000 و3000 دولار أمريكي، وهو مبلغ خيالي بالنسبة للأغلبية العظمى من السكان الذين يعانون من تضخم الأسعار وانهيار القيمة الشرائية لليرة السورية.
قال "خليل"، وهو صاحب ورشة خياطة في مدينة القامشلي: "اضطررت لبيع جزء من ذهب زوجتي واقتراض مبلغ إضافي لتركيب منظومة طاقة شمسية. دونها كان عملي سيتوقف تمامًا، وعمالي سيجلسون في بيوتهم. الكهرباء النظامية مقطوعة منذ أشهر، والمولدات لا تعطي جهدًا كافيًا لتشغيل الماكينات الصناعية. الطاقة الشمسية أنقذت رزقي، لكنني أشعر بالأسى حين أرى جاري الفقير يعيش على الشموع لأنه لا يملك ثمن بطارية صغيرة".
يتجاوز استياء الأهالي الجانب الخدمي المباشر ليصل إلى حالة من الرفض السياسي والاجتماعي لطريقة إدارة هذا الملف. وترصد التقارير المحلية باستمرار مطالبات سكان المنطقة لـ"الإدارة الذاتية" بضرورة الشفافية في توزيع الموارد النفطية وتخصيص ميزانيات أكبر لإصلاح محطات التوليد.
عبر "أبو جاسم"، أحد أبناء ريف الحسكة الشرقي، عن رفضه لهذا الواقع قائلًا: "نحن نسمع وعودًا منذ سنوات بقدوم محولات جديدة وإصلاح التوربينات، لكن الواقع يزداد سوءًا. انقطاع الكهرباء يعني انقطاع الماء، وتوقف آبار الري التي يعتمد عليها مزارعونا. نحن نرفض هذا التقنين الجائر، ومن حقنا كمواطنين في منطقة تضم أكبر حقول النفط والغاز في سوريا أن نحصل على أبسط مقومات الحياة. كيف نصدّر النفط والغاز للخارج ونحن نعيش في ظلام؟ هذا سؤال لم نجد له إجابة مقنعة حتى الآن".
لم تتوقف أزمة الكهرباء عند حدود المنازل والمحال، بل امتدت لتضرب مفاصل حيوية كالمستشفيات والمدارس. في الحسكة، تضطر المستشفيات العامة للاعتماد على مولدات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الوقود، مما يهدد بتوقف الأجهزة الحساسة مثل أجهزة غسل الكلى وحواضن الأطفال في حال تأخر وصول مخصصات المازوت.
أما في الجانب التعليمي، فيشتكي الطلاب من عدم قدرتهم على الدراسة ليلًا، خاصة في ظل انقطاع الإنترنت المرتبط بدوره بانقطاع الكهرباء عن أبراج التغطية. قال الطالب الجامعي أيهم: "نقضي نهارنا في البحث عن مكان تتوفر فيه الكهرباء لشحن اللابتوب أو الهاتف لإكمال أبحاثنا. الدراسة في شمال شرقي سوريا أصبحت معركة مع الوقت والظلام".
أفرزت أزمة الكهرباء واللجوء للطاقة الشمسية فجوة طبقية واضحة في المجتمع. فبينما تغرق أحياء الفقراء في ظلام دامس بمجرد غروب الشمس، تتلألأ أحياء الميسورين والتجار ومنتسبي "الإدارة" بالأنوار المنبعثة من منظومات الطاقة المتطورة. هذا التباين خلق حالة من الاحتقان الشعبي، حيث يرى كثيرون أن الحلول الفردية (كالطاقة الشمسية) هي اعتراف ضمني بفشل الحلول الجماعية (الشبكة العامة)، مما يعفي السلطات المحلية من مسؤولياتها في توفير الخدمات الأساسية للجميع دون استثناء.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي