مناقصة العدادات الذكية في سوريا: تخبط إداري يثير شبهات فساد وينفر المستثمرين


هذا الخبر بعنوان "تخبط إداري في مناقصة عدادات كهربائية ذكية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت مناقصة ضخمة لتوريد 6 ملايين عداد ذكي أحادي الطور و500 ألف عداد ثلاثي الطور، أعلنت عنها المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء في أواخر عام 2025، تخبطًا إداريًا أثار جدلاً واسعًا. كان من المفترض أن تشكل هذه المناقصة، التي تقدر قيمتها بأكثر من نصف مليار دولار، خطوة استراتيجية لتحديث قطاع الكهرباء وتحسين الجباية وتقليل الفاقد، وقد جذبت اهتمام شركات عالمية من السعودية وقطر وعُمان ومصر وحتى الصين، التي أرسلت وفودًا فنية للاجتماع مع المسؤولين. إلا أن المشروع انحرف عن مساره المخطط، ودخل في دوامة من التعديلات والإلغاءات التي أثرت سلبًا على مصداقيته وأثارت شكوكًا حول جديته.
توالت التعديلات على موعد إغلاق المناقصة، فبعد الإعلان الأولي، تم تمديد الموعد من 28 كانون الأول 2025 إلى منتصف كانون الثاني 2026، ثم إلى منتصف آذار، قبل أن يُلغى الإعلان نهائيًا في 7 من كانون الثاني. حاولت عنب بلدي التواصل مع وزارة الطاقة للحصول على تعليق رسمي حول أسباب هذا الإلغاء المفاجئ وإعادة الطرح السريع، لكن لم يصل أي رد حتى لحظة إعداد هذا التقرير. الغريب في الأمر أن المؤسسة أعادت الإعلان عن المناقصة تحت رقم جديد (1/2026) وبسرعة قياسية، مع تحديد موعد إغلاق قصير لا يتجاوز شهرًا واحدًا.
وفي هذا السياق، اعتبر عضو جمعية العلوم الاقتصادية، محمد بكر، أن هذه الخطوة غير منطقية بالنظر إلى حجم المشروع وتعقيداته الفنية. وأشار إلى أنها تعطي انطباعًا بوجود مورد محدد مسبقًا أو مصالح خفية تقف وراء التسرع في الطرح والإغلاق.
كانت النتيجة المباشرة لهذا التخبط فقدان ثقة الشركات المهتمة، حيث لم تُقدم أي عروض فعلية. اقتصرت العملية على اعتراضات واسعة النطاق على دفتر الشروط، الذي تضمن أخطاء فنية وإجرائية في المواصفات ومدة التوريد والكفالات. ومع تكرار التعديلات، فقدت المناقصة صحتها القانونية، لتصبح مثالًا صارخًا على غياب التخطيط الاستراتيجي والشفافية في إدارة العقود الحكومية، بحسب الخبير الاقتصادي محمد بكر. وأضاف بكر أن الأبعاد الاقتصادية لهذا الإلغاء لا تقل خطورة، فالمشروع كان من الممكن أن ينشط السوق المحلية ويوفر فرص عمل ويعزز إيرادات الدولة، لكنه تحول بدلًا من ذلك إلى ملف مثقل بالأسئلة وعلامات الاستفهام.
يرى الخبير الاقتصادي محمد بكر أن ما حدث لا يمكن تفسيره بمجرد نقص الخبرة، بل هناك مؤشرات على وجود “فساد مقنع”. فالإعلان بالسرعة الكلية ومدة الإغلاق القصيرة يوحيان بوجود مورد جاهز ينتظر، وهو ما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص. كما أن كثرة التعديلات أفقدت المناقصة مصداقيتها القانونية، ما جعل الإلغاء وإعادة الطرح محاولة لتجاوز الطعون المحتملة، دون معالجة أصل المشكلة وهو غياب الشفافية.
وأكد الخبير محمد بكر أن هذه الممارسات تضر بصورة سوريا أمام المستثمرين الأجانب، الذين كانوا قد أبدوا اهتمامًا جديًا بالمشروع. وأضاف أن التخبط والإلغاء المتكرر يعطي صورة سلبية عن بيئة الاستثمار، ويعزز الانطباع بأن السوق السورية غير مستقرة قانونيًا وإجرائيًا، وأن المنافسة قد تكون محسومة مسبقًا. وهذا يضعف فرص جذب شركات عالمية ذات سمعة قوية، ويترك المجال لشركات صغيرة أو مرتبطة بمصالح داخلية.
رغم الانتقادات، أكد الخبير بكر أن المشروع يحمل جدوى اقتصادية كبيرة إذا نُفذ بشكل صحيح. فهو قادر على تحسين الجباية وتقليل الفاقد الفني، وخلق فرص عمل جديدة، والحد من الاستجرار غير المشروع للكهرباء. لكن هذه الجدوى مشروطة بوجود دفتر شروط واقعي ومدروس، واعتماد استدراج عروض أسعار لضمان المنافسة العادلة، وتأهيل البنية التحتية قبل الطرح، إضافة إلى شفافية في التمويل وآليات الدفع.
توقف بكر عند مسألة التمويل، مشيرًا إلى أن مصادره وآلياته غير واضحة حتى الآن، وأن شروط الدفع بقيت على أساس الاعتماد المستندي رغم غياب آلية “سويفت”. كما لفت إلى أن الاحتياجات الفعلية لهذه الكمية من العدادات لم تُدرس بشكل كافٍ، خاصة من حيث جاهزية شبكات الاتصالات والإنترنت. وخلص إلى أن الاستثمار في العدادات الذكية يحقق عائدًا طويل الأمد أفضل من الحلول التقليدية، لكنه مشروط بتأهيل البنية التحتية وضمان الشفافية في الطرح والتمويل.
أعلنت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء عن إعادة طرح مناقصة العدادات الذكية بعد إدخال تعديلات جوهرية على دفتر الشروط الفنية الذي كان قد نُشر في الإعلان الأولي. ويأتي هذا القرار في إطار جهود المؤسسة المستمرة لتطوير شبكة الطاقة الذكية وتحسين كفاءتها بما يتوافق مع أحدث المعايير العالمية ويلبي احتياجات السوق المحلي. وأوضحت المؤسسة، عبر قناة وزارة الطاقة في “تلجرما”، أن التعديلات الجديدة تهدف إلى تسريع عملية التوريد والتركيب، وتقليص المدة الزمنية اللازمة للحصول على العدادات الذكية، الأمر الذي استدعى إلغاء المناقصة السابقة وإعادة الإعلان عنها بصيغة معدّلة.
ولضمان جدية العروض والتنفيذ، وضعت مؤسسة الكهرباء شروطًا مالية وإجرائية محددة، حيث يجب على العارضين الخارجيين تقديم تأمينات أولية بقيمة 211,000 دولار أمريكي أو ما يعادلها بالعملة المحلية. في حين أن قيمة التأمينات النهائية المطلوبة بعد إرساء العقد تبلغ نسبة 10% من قيمته الإجمالية. وتم تحديد مدة ارتباط العارض بعرضه بتسعين يومًا، على أن يتم تسليم المعدات المطلوبة وفق شروط (CFR) أو (CPT) في مستودعات المؤسسة بدمشق أو طرطوس.
يثير قرار تعديل أسعار التعرفة الكهربائية، الذي صدر مؤخرًا، جدلاً واسعًا بين المواطنين وقطاعات الإنتاج من معامل وورشات على حد سواء، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السوريون. وكانت وزارة الطاقة السورية قد أصدرت، في تشرين الأول الماضي، تفاصيل قرار رفع أسعار الكهرباء وفقًا لأربع شرائح، قالت إنها “تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة”. ويأتي ذلك كجزء من خطة حكومية تهدف إلى إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة، في وقت يعاني فيه هذا القطاع من خسائر تقدر بمليار دولار سنويًا، وسط تحديات في التمويل والبنية التحتية في معظم المناطق، بحسب ما ذكرته الوزارة. وعقب رفع الأسعار، أصبح حديث الكهرباء الشغل الشاغل للسوريين على مختلف المستويات، دون أن تتضح بعد خطة الحكومة للاستجابة لهواجس الشارع.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد