الحسكة: تحولات ميدانية وسياسية حاسمة ترسم مستقبل المحافظة السورية


هذا الخبر بعنوان "الحسكة على أعتاب تسوية كبرى وتحولات ميدانية حاسمة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة الحسكة دخول مرحلة مفصلية جديدة، تتسم بتسارع التطورات الميدانية والسياسية المتزامنة. يأتي ذلك في ظل توسع ملحوظ لانتشار الجيش السوري وتراجع واضح لقوات "قسد"، بالتوازي مع تفاهمات وصفها المراقبون بأنها حساسة وحاسمة، وتهدف إلى إعادة رسم المشهد الأمني والإداري في المحافظة.
بدأ الجيش السوري بتعزيز وجوده في الريف الشرقي، حيث تمكن من دخول مدينة تل حميس وأحكم سيطرته على محور استراتيجي حيوي بالقرب من القامشلي، إضافة إلى الطرق المؤدية نحو الحدود العراقية. كما تقدمت وحداته باتجاه محيط جبل عبد العزيز وتل تمر، مما أسهم في ترسيخ نفوذ الجيش في الريف الجنوبي الغربي، وضم قرى أبيض ومخروم وقصيبة وأم مدفع وأبو فاس إلى نطاق سيطرته المباشرة.
في المقابل، لا تزال تل براك تضم جيوبًا محدودة لقوات "قسد"، بينما تُعتبر تل معروف، الواقعة جنوب شرق القامشلي، آخر نقطة انتشار شرقية لهذه القوات. وفي تطور لافت، سيطرت العشائر العربية بشكل كامل على الريف الجنوبي للقامشلي.
تزامنت هذه التحولات مع انسحابات متتالية لقوات "قسد" من عدة مناطق في المحافظة، كان أبرزها من مدينة الهول. هناك، تقدمت العشائر العربية وسيطرت على المدينة، بينما تولت إدارة مختصة ملف مخيم الهول أمنيًا وإداريًا بالتعاون مع الجيش السوري، وذلك بعد انسحاب قوات "قسد" من مهام حراسته.
في الريف الشمالي، أحكمت العشائر العربية سيطرتها على تل براك، بينما انسحبت "قسد" من بلدة جزعة باتجاه اليعربية، التي تم تسليمها لاحقًا لقوات الصناديد. وشهد ريف القامشلي حالات انسحاب وهروب لعناصر مسلحة من مواقع متعددة، منها حاجز البترول في قرية خويتلة، مما يؤكد تراجع الانتشار العسكري لهذه المجموعات.
وصلت وحدات الجيش السوري إلى مشارف مدينة الحسكة، ملتزمة بعدم دخول مركزها وفقًا للتفاهمات المعلنة، مع تثبيت نقاط عسكرية وأمنية على أطراف المدينة. بالتزامن، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش لمدة أربعة أيام، بدءًا من الساعة الثامنة مساءً، وذلك تمهيدًا لتنفيذ الاتفاقات السياسية والأمنية.
على الرغم من هذه المكاسب الميدانية، يبقى الوضع الإنساني هشًا في بعض مناطق المدينة والريف. تتعرض أحياء غويران والنشوة في مدينة الحسكة لحصار فعلي تفرضه ميليشيا "جوانن شورشكر"، مما يعيق وصول المياه والمواد الغذائية ويصعب تأمين الاحتياجات الأساسية. كما يواجه السكان تهديدات مباشرة بالسلاح، بالإضافة إلى حملات تحريض وشعارات ترهيبية تهدف إلى إجبارهم على مغادرة منازلهم.
على الصعيد السياسي، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار في جميع قطاعات الجيش لمدة أربعة أيام، في إطار الالتزام بالتفاهمات مع "قسد" وتهيئة الظروف لتنفيذ الاتفاقات السياسية والأمنية. وفي سياق متصل، أصدر رئيس الجمهورية بيانًا أعلن فيه التوصل إلى تفاهم مشترك بشأن مستقبل المحافظة، يتضمن آليات الدمج الإداري والعسكري، ومنح "قسد" مهلة أربعة أيام لتقديم خطة تفصيلية للتنفيذ.
نص البيان الرئاسي على عدم دخول القوات السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، والاكتفاء بالبقاء على أطرافهما. وتضمن البيان تعهدًا بعدم دخول القرى الكردية، وحصر التواجد المسلح فيها بقوات أمن محلية. كما شمل الاتفاق دمج جميع القوى العسكرية والأمنية التابعة لـ"قسد" ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، ودمج المؤسسات المدنية في هيكل الدولة.
وشمل الاتفاق أيضًا تنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان الحقوق اللغوية والثقافية والمواطنة للكرد. وفي هذا الإطار، طرح مظلوم عبدي أسماء مرشحين لمناصب مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، بالإضافة إلى ممثلين في مجلس الشعب وقوائم توظيف في مؤسسات الدولة.
تزامنت هذه التفاهمات مع مواقف أمريكية، حيث صرح المبعوث الأمريكي توم باراك بأن المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع تمثل فرصة للكرد للحصول على حقوق المواطنة والحماية الثقافية. وأكد باراك أن الوجود الأمريكي كان مرتبطًا بمكافحة تنظيم "داعش" ولم يعد مبررًا مع وجود حكومة مركزية في دمشق، مشيرًا إلى أن واشنطن تعمل على تسهيل تسليم الملفات الأمنية والاقتصادية، بما في ذلك حقول النفط والسدود والمعابر والسجون ومخيمات التنظيم. وشدد على رفض أي مشاريع انفصال أو فيدرالية، ودعم وحدة سوريا، محذرًا من أن فشل مسار الاندماج قد يؤدي إلى عودة عدم الاستقرار أو تنشيط الجماعات المتطرفة.
أكدت مصادر من مدينة الحسكة أنه على الرغم من التقدم الميداني والسياسي، يظل التحدي الأكبر متمثلًا في وجود حزب العمال الكردستاني في بعض مناطق الحسكة، مما قد يشكل عقبة أمام استكمال التسوية. يضاف إلى ذلك الوضع الإنساني والأمني في الأحياء المحاصرة، والذي يمثل اختبارًا لقدرة الدولة على فرض سلطة القانون وحماية المدنيين، ويعكس مدى مصداقية الاتفاقات المعلنة.
يبدو أن محافظة الحسكة تتجه نحو مرحلة انتقالية حاسمة، تجمع بين تثبيت النفوذ العسكري للجيش السوري، وتعزيز سيطرة العشائر العربية، واستكمال آليات الدمج السياسي والإداري. وفي حال نجاح هذه التفاهمات، فإنها ستمهد الطريق لاستقرار نسبي وإعادة الخدمات الأساسية للسكان. أما أي إخفاق أو تعثر، فقد يعيد المنطقة إلى دائرة تصعيد جديدة، تتضمن مواجهة مسلحة واضطرابات أمنية واسعة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة