معابر التهريب: السلطة الخفية التي تحكم مصير سكان رأس العين وتل أبيض


هذا الخبر بعنوان "معابر التهريب تتحكم في حياة سكان رأس العين وتل أبيض" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يتكرر يومياً، كان موسى، الطالب الجامعي الذي قُبل في كلية الحقوق بجامعة اللاذقية، يقف قرب ساتر ترابي يفصل بين مدينة رأس العين ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ريف الحسكة، بانتظار بدء رحلة تهريب محفوفة بالمخاطر. في هذا الطريق، تتلاشى الأسماء والوجهات، ويبقى الأمل الوحيد هو القدرة على النجاة والوصول إلى الضفة الأخرى. يصف موسى هذا الواقع قائلاً: "ليس هناك ما يمنحك أي شعور بالأمان، طرق ترابية متفرّعة، وفي كل مفترق أشخاص ينتظرون دون أن يسأل عنهم أحد، يتحكّم بهم مهرّبون لا يحتاجون إلى دليل لمعرفة الطرق التي خبروها منذ سنوات وباتت عملهم اليومي".
بعد سيطرة ما كان يُعرف بـ"الجيش الوطني السوري" بدعم من الجيش التركي على منطقتي رأس العين في محافظة الحسكة وتل أبيض في محافظة الرقة أواخر عام 2019، أُطلق عليهما اسم "نبع السلام". كانت المنطقتان قبل ذلك، ومنذ عام 2013، تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وتضمان نحو ربع مليون شخص من الكرد والعرب والآشوريين والتركمان.
منذ ذلك الحين، تحوّلت المنطقتان إلى شبه جزيرة تحيط بها مناطق تتبع قوات قسد من ثلاث جهات، ومتنفسها الوحيد عبر الحدود التركية في الشمال. هذا الوضع يزيد من قسوة الحصار على سكانها، الذين يُقدر عددهم بنحو 290 ألف نسمة، وفق إحصائيات المجلسين المحليين في رأس العين وتل أبيض.
على الرغم من وجود معبر رسمي واحد هو معبر تل أبيض، ومعبر تجاري هو معبر رأس العين على الحدود، إلا أن حركة السكان ونقل البضائع محكومة بالتهريب. لقد أصبحت كلمة "التهريب" جزءاً عادياً من حياة السوريين، فهي تحكمهم منذ أكثر من عقد ونصف، في ظل حصارات خانقة فرضتها قوى عسكرية وجدت في المعابر غير الدائمة وشبكات التهريب اقتصاداً يومياً. يدفع السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر ثمن هذا الاقتصاد، سواء لخبزهم أو أجرة نقلهم للعلاج أو التعليم أو البحث عن ممر آمن أو غير آمن للوصول إلى أساسيات الحياة. لأجل ذلك، مات مئات الأشخاص جوعاً والآلاف قنصاً، وتحوّلت حياتهم إلى محاولة يومية للبقاء.
طرق التهريب المألوفة: نظام حياة موازٍ
لكل معبر تهريب اسم ووظيفة في منطقتي رأس العين وتل أبيض، كما في غيرها من المناطق السورية. على عكس ما يوحي اسمها، أصبحت "طرق التهريب" بمثابة قنوات شبه قانونية. يعرف السكان أن معابر الريحانية والتفاحية والكنطري هي أسماء لمعابر تُعرف بمرور الغذاء والأدوية، بينما "القشقة" معبر مرتبط بتهريب البشر. هذه المعرفة لا تقتصر على ما يُقال، بل تتجسد في السواتر الترابية والساحات التي تضم سيارات وشاحنات للنقل، وبالقرب منها حواجز لا تعير انتباهاً إلا لما يمر دون تفاهمات مالية. كما يلمس السكان أثراً واضحاً في السوق من تضاعف أسعار مرتفعة بالأساس، يُرجعها الجميع إلى خلافات مالية بين الحواجز ذاتها وتبدل القوى المسيطرة.
يقول أبو أحمد، وهو اسم مستعار لمهرب يعمل في هذه الطرق، إن "شراء الدوريات في حواجز قسد وتلك الحواجز القريبة من المعابر هو أساس عمليات التهريب، أو ما يطلق عليه عملياً اسم الفتوح". ويضرب أبو أحمد مثالاً عن معبر الريحانية، مشيراً إلى أنه لا يبعد أكثر من ثلاثة كيلومترات عن حاجز قسد، وتدخل البضائع أمام أعين الحواجز إلى "الساحة"، حيث تفرّغ الحمولة قرب الساتر الترابي وتنقل عبر شاحنات أخرى إلى منطقتي رأس العين وتل أبيض.
ليست المعابر مفتوحة بشكل دائم، بل يحكم استمرارها الاتفاق بين الطرفين على تقاسم الإتاوات التي يدفع ثمنها الأهالي بشكل مباشر، وتظهر ذلك اللافتات المتغيرة يومياً لأسعار المواد المتوفرة. يوضح أبو أحمد أن ساحة معبر التفاحية، على سبيل المثال، تقع تحت إشراف قسد، وأن هذه المعابر أصبحت مصدر رزق لعدد من أبناء المنطقة، إذ يعمل في التفريغ والتحميل أشخاص من الأهالي أنفسهم. وتزداد أهمية هذا الدخل في منطقة زراعية تشهد موجة جفاف منذ سنوات، قلّلت فرص العمل ودفعت كثيرين للاعتماد على هذا النوع من الرزق.
بورصة المحروقات والأدوية: أسعار مضاعفة ومعاناة متفاقمة
تمر المحروقات عبر خراطيم طويلة تمتد فوق السواتر الترابية بين صهريجين على حافة حدود مصطنعة بين منطقتي رأس العين وتل أبيض ومناطق قسد، تنقل الوقود عبر مضخّات من صهريج ممتلئ في ضفة قسد إلى آخر فارغ في إحدى المنطقتين. العرض والطلب، الأسلوب الذي يحكم تسعير المواد في سوريا منذ بداية الحرب، لا ينطبق على المحروقات الواصلة إلى المنطقتين المحاصرتين، فما يتحكم فعلياً بالسعر هو "الطريق الذي تسلكه، والأتاوات التي تدفع لعناصر الحواجز في الطريق".
يبلغ سعر ليتر المازوت من النخب الأول في مناطق قسد 5800 ليرة سورية، بينما يصل إلى المنطقتين المحاصرتين بسعر 9000 ليرة سورية، وهو ما يعادل السعر في مناطق سيطرة الحكومة السورية، لكنه غالباً ذو نوعية رديئة تُستخدم للتدفئة. أما السيارات فتعتمد على المازوت التركي ويبلغ سعره 13000 ليرة سورية.
الأدوية يسعّرها مهربو معبر الريحانية على خلاف الغذاء والسلع الأخرى. يصف أحد الصيادلة في رأس العين، فضّل عدم الكشف عن اسمه، الدواء بأنه المادة الوحيدة التي تُمنع من الدخول من مناطق قسد. ويؤكد أن الأخيرة إذا عثرت على سيارة أو شاحنة تحمل أدوية فإنها تصادرها فوراً، بينما تسمح بمرور المواد الغذائية وغيرها بعد فرض الرسوم والأتاوات. وبالرغم من المنع، فإن معظم أدوية المنطقة تأتي عبر معبر الريحانية، وفقاً للصيدلاني. ويضيف أن المهرب هو من يحدد سعر الدواء، إذ يأخذ نسبة تتراوح بين 12 و20 بالمئة، حسب الصنف والطريق وسهولة الوصول ودرجة التشديد.
تتوزع الأدوية على صيدليات المنطقة بطريقتين: الأولى أن يوزعها المهرب مباشرة على الصيدليات والمستودعات، فإذا وصلت مباشرة إلى الصيدلية تُضيف الصيدلية نسبة ربح بين 25 و30 بالمئة. والثانية أن تُسلَّم الأدوية إلى مستودع، فيحدد المستودع نسبة ربح بين 5 و10 بالمئة، ثم يوزعها على الصيدليات، وفي هذه الحالة أيضاً تضيف الصيدليات نسبة بين 20 و30 بالمئة. يؤكد الصيدلاني أنه لا توجد تسعيرة واضحة، وأن معظم الأدوية تأتي من مستودعات في مناطق سيطرة "قسد" في مدن الرقة أو الحسكة أو القامشلي، وأن الأدوية التي تأتي من مناطق سيطرة الحكومة تضاف عليها أجور بين 3 و5 بالمئة. لا توجد أدوية تركية في الأسواق لأنها مرتفعة الثمن مقارنة بسعر الأدوية السورية، بحسب الصيدلاني. ويضيف أن مديريات الصحة في رأس العين وتل أبيض لا تملك تسعيرة محددة، لأن ضبط تسعير الدواء يتطلب طريقاً ثابتاً لإيصاله إلى المستودعات والصيدليات بسعر موحد، وهذا غير متاح حالياً.
أكّدت عدّة مصادر أن معظم الأدوية التي تصل ما يعرف بمنطقة "نبع السلام" تهريباً من مناطق سيطرة قسد مصدرها مناطق سيطرة الحكومة، وهو ما يفسر تعدد الحلقات التي يمر بها الدواء. وتضيف المصادر أن السلطات التركية تمنع إدخال الأدوية السورية عبر أراضيها. ولأن الأسعار تكشف أثر الطريق على حياة الناس، يضرب الأهالي أمثلة يومية: سعر علبة حبوب الباراسيتامول في القامشلي 2000 ليرة سورية، بينما في نبع السلام 3000 ليرة. وحقنة ديكلوفيناك بـ6000 ليرة، بينما يصل سعرها في منطقة نبع السلام إلى 18000 ليرة. أما الأدوية النوعية فغالباً لا تصل مطلقاً، وإن وصلت فتكون بأسعار تزيد عن ثلاثة أضعاف سعرها.
يقول عمر الفراتي، مهرب آخر على صلة مباشرة بالمشرفين على خطوط العبور: "لا توجد نسب ثابتة لأتاوات المعابر". ويفصّل عمر نسب الإتاوات على المواد المُهربة، مشيراً إلى أن عناصر من قسد يفرضون أتاوات بحسب نوع المواد المهربة، فالمواد الطبية تصل الأتاوات عليها إلى 60 بالمئة، وكل برميل مازوت تُقتطع عليه أتاوات تقارب 40 بالمئة من سعره، بينما تُفرض على الأجهزة الإلكترونية، مثل الشاشات والبرادات وغيرها، نسب تصل إلى 35 بالمئة على كل حمولة.
في عرف التهريب.. البشر فئات لكل منهم تعرفة
يذكر المهرب عمر الفراتي أن رحلات تهريب البشر تنطلق حالياً عبر معبرَي العالية والتفاحية، مؤكداً أن عدد الأشخاص الذين يُهرَّبون يومياً يتراوح بين 25 و30 شخصاً. تبدأ الرحلة من رأس العين بسيارة توصل الأشخاص إلى الساتر الترابي القريب من الطريق الدولي الفاصل بين رأس العين أو تل أبيض ومناطق سيطرة قسد، ثم يُسلَّمون إلى مهرب ثانٍ متفق معه مسبقاً، وبعدها يُنقلون عبر طرق ترابية إلى مناطق الحسكة أو الرقة، ومنها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية.
يبلغ تهريب المريض، بحسب "الفراتي"، نحو 200 دولار، وتهريب الشاب 125 دولاراً، وتهريب الطالب قرابة 100 دولار. أما العائلة الكبيرة مع أغراضها فتصل تكلفتها إلى 700 دولار، والعائلة المتوسطة إلى 500 دولار، مع ملاحظة أن "حمل السلاح مسموح".
يروي موسى تفاصيل رحلته التي حالفه الحظ ونجحت: "انطلقت من رأس العين الساعة السابعة والنصف، ووصلت الساتر خلال ساعة ونصف الساعة إلى ساعتين. قبل الساتر بقليل وصل المهرب، ثم أركبونا دراجات نارية وعبرنا واحداً تلو الآخر. بعد العبور، نُقلنا إلى مكان يشبه المزرعة، حيث جُمِع الركاب، وكانت التكلفة في تلك المرحلة 60 دولاراً للراكب". ويضيف: "بعد ذلك جاء مهرب آخر ضمن مناطق سيطرة قسد، وهنا كنّا نتعرّض للترهيب والابتزاز، البعض كان يتلقّى الركلات، إطلاق النار مسموع حولنا. نقلنا المهرب إلى قرية تُدعى صكيرة، وهناك أُدخلنا إلى منزل للاختباء". يؤكد موسى أنهم جلسوا في مكان واحد خوفاً من رصدهم من 11:30 مساءً إلى 3:30 فجراً، رفع الرأس ممنوع، والحركة والكلام ممنوعان أيضاً. "بعد ذلك تحركنا نحو الرقة"، يضيف موسى، "نمنا في منزل إلى صباح اليوم التالي. ومن الرقة إلى حمص ارتفعت الكلفة إلى 200,000 ليرة، ومن حمص إلى اللاذقية 75,000 ليرة".
الطلاب.. أعداد كبيرة وطرق قليلة وقرارات معلّقة
لا تنفصل أزمة المعابر عن التعليم. هذا العام وحده، حصل أكثر من 1650 طالباً على الشهادة الثانوية بفرعيها العلمي والأدبي في منطقة نبع السلام، بحسب اتحاد الطلبة بفرعيه في تل أبيض ورأس العين. لكن الوصول إلى الجامعة أصبح حلماً بعيد المنال. بحسب رئيس اتحاد الطلبة في رأس العين مهند العبدالله، جرى التنسيق مع الجانب التركي لدخول الطلاب، وتم رفع أسماء 170 طالباً ممن أرادوا الدخول عبر الأراضي التركية لاستكمال دراستهم في الجامعات السورية، فوافق الجانب التركي على 144 اسماً فقط. وكان شرط الدخول صارماً: دخول لمرة واحدة فقط دون عودة. أما الذين رُفض دخولهم فكانوا من الموظفين، والمتزوجين الذين لديهم أبناء، والعسكريين. أكّد المصدر أن قسماً كبيراً من بقية الطلاب اختار الوصول إلى الجامعات عبر طرق التهريب.
في تل أبيض، يوضح رئيس اتحاد الطلبة حمادة الحمادي أنه تم رفع 80 اسماً فقط، ولم تتم الموافقة إلا على 14 اسماً، وكان المقبولون من مواليد 2005 وما فوق. ويشير "الحمادي" إلى أنه على الرغم من صدور الموافقة، لم تسمح السلطات بعملية النقل حتى الآن، وبقيت مشكلة الطلاب معلّقة مع قرب انتهاء الفصل الأول. ولا تقتصر الأزمة على طلاب الثانوية الذين أنهوا الدراسة حديثاً فقط، فهناك طلاب جامعات منقطعون عن الدراسة منذ بداية الثورة، صدر بحقهم مرسوم رئاسي يسمح لهم باستكمال دراستهم، إلا أن مشكلتهم لم تُحل حتى الآن بسبب صعوبة الخروج من المنطقة.
حصل "علي" على الثانوية أخيراً، وقُبل في كلية الحقوق بجامعة الفرات في دير الزور، لكنه لم يستطع الالتحاق حتى الآن بسبب الخوف من الاعتقال. ويروي أن عدداً ممن عبروا تهريباً من الطلاب أو ممن عادوا إلى بيوتهم بعد سقوط نظام الأسد في مناطق كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق تعرضوا للاعتقال في مناطق قسد، وتم التحقيق معهم في مدينة الحسكة، ثم أُفرج عن الأشخاص غير المطلوبين الذين لا صلة لهم بفصائل الجيش الوطني أو ليسوا عناصر سابقين فيه. يصف "علي" التهريب بأنه مغامرة ما زال غير مستعدٍ لخوضها. ويضيف أن الطلاب قدموا طلباً إلى والي شانلي أورفا التركية من أجل السماح لهم بالعبور من خلال الأراضي التركية، لكن الأخير ردّ بأنّه لا بد من إحضار موافقة من وزارة التعليم العالي السورية. لكنّ الوزارة ردت بأن الأمر ليس من اختصاصها وأن القرار "عند الأتراك"، ما جعل الطلاب، على حد وصفه، في حالة الضياع بين طرفين. ويوضح "علي" أنه تقدّم إلى المفاضلة الإلكترونية التي أصدرتها وزارة التعليم العالي، لكنه احتاج إلى تثبيت التسجيل شخصياً، ولم يستطع الوصول. ثم تم تثبيت التسجيل وحجز المقعد عن طريق وكالة من قبل أحد أقاربه هناك. ويقول إنه يفكر بإيقاف التسجيل إلى حين فتح الطريق والتمكن من الذهاب والالتحاق بالجامعة.
عبيد علي الخلف من مدينة رأس العين، يقول إنه تقدّم للثانوية العامة عام 2017 ودخل كلية الهندسة المدنية في جامعة الفرات، فرع الحسكة، ودرس السنة الأولى والثانية. لكن وبعد سيطرة الجيش الوطني على رأس العين نهاية 2019 واجه صعوبة في الذهاب إلى الجامعة. ويضيف أن خلفيته السياسية ووجود إخوة وأقارب محسوبين على المعارضة جعلت الذهاب مخاطرة قد تهدد حياته، فآثر التوقف عن الدراسة. ويضيف "عبيد" أن الذهاب إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية كان أكثر صعوبة، فاختار البقاء في رأس العين بحثاً عن فرصة عمل. لقد سقط نظام الأسد، لكن إلى اليوم مدينة رأس العين محاصرة، "نحن محاصرون من الجهات الأربع".
طريق العلاج أخطر من المرض أحياناً
على خط آخر من خطوط المعاناة، يقف "محمد" من رأس العين عاجزاً أمام والدته المسنة المريضة. والدته بحاجة إلى عمل جراحي في المعدة، لكن لا يوجد طبيب تخدير في مستشفى رأس العين، ما يضطرها إلى الذهاب إلى دمشق. ويشير إلى أن وضعها يسمح بالتأجيل لأن العملية غير مستعجلة، لكن الخطورة تكمن في طريق السفر وإمكانية تعرض المرافق للاعتقال. يصعب على والدة "محمد" سلوك الطرق الوعرة، ولا إمكانية لعلاجها في مستشفيي رأس العين وتل أبيض. ويبقى قرار نقلها إلى الأراضي التركية لتلقي العلاج بيد الطبيب التركي، الذي يزور المنطقة مرة واحدة أسبوعياً.
سالم الأحمد، اسم مستعار لأحد الموظفين في مستشفى رأس العين، يقول إنّ معظم الحالات التي تُحوّل إلى المستشفيات التركية هي لأصحاب الأمراض السرطانية والعينية وأمراض القلب ونقص المناعة، التي أصبحت شائعة جداً خلال السنوات الأخيرة، وخاصة لدى الأطفال. يجري المستشفى، بحسب "الأحمد"، عمليات الجراحة العامة الباردة محلياً، مثل عمليات الفتق وغيرها، كما تُجرى بعض العمليات العظمية وعمليات الأنف والأذن والحنجرة واللوزتين. ويضيف أن أطباء الجراحة يجرون العمليات الأساسية أيام السبت والأحد، أمّا الحالات الإسعافية التي تتجاوز الإمكانيات تُحوّل مباشرة إلى تركيا إن تمت الموافقة على دخولها. ويعمل في المستشفى ثلاثة أطباء عظمية طوال الأسبوع، ولا يتم تحويل الحالات إلا عند غياب أدوات خاصة لازمة للعمل الجراحي. يشير "الأحمد" إلى أن أكثر التحويلات تتعلق بالعيون بسبب عدم وجود أطباء عينية بشكل دائم، وأن التحويل يتم بعد العرض على لجنة مختصة، بينما لا تُحوّل الحالات الإسعافية إلا وفق تقدير طبي.
البلد تحررت وما نزال محاصرين
على المستوى العسكري والأمني، تسيطر اليوم على المناطق الحدودية مع قسد الفرق العسكرية 72 و70 و86 و66 التابعة للجيش السوري الجديد. ومع ذلك، لا تظهر في الحياة المدنية مؤشرات على أن تبدل السيطرة انعكس على فتح الطرق أو تقليل الاعتماد على المعابر غير النظامية، ويبدو أنّ الذي تغيّر هو أسماء التشكيلات العسكرية فقط. في رأس العين وتل أبيض، لا يُقاس الاستقرار بوجود معبرين رسميين على الحدود، بل بقدرة الناس على العبور بأمان إلى الجامعة أو المستشفى أو سوق الدواء. معابر مثل الريحانية والتفاحية والكنطري و"القشقة" لم تعد مجرد أسماء، بل تحولت إلى نظام حياة كامل، تُفتح وتُغلق وفق الأتاوات، وتتحكم بأسعار الوقود، وتحدد تكلفة الدواء عبر حلقات أرباح متعددة، وتضع الطلاب بين خيارين: انتظار لا نهاية له، أو تهريب لا ضمانات فيه. كما تجعل رحلة المريض إلى العلاج ملفاً أمنياً قبل أن تكون حاجة طبية. هكذا، تستمر المنطقة في العيش على اقتصاد موازٍ وطرق موازية، بينما يظل الطريق الطبيعي المؤمَّن غائباً. وإلى أن يتغير ذلك، تبقى الجملة التي افتتح بها "موسى" لحظة العبور وصفاً دقيقاً لبلاد صار فيها المعبر أقوى من المؤسسات: "هنا لا أحد يحميك، ولا أحد يسأل".
نودّ الإشارة إلى أنّ هذه المادة أُنجزت قبل التطورات الميدانية الأخيرة وفكّ الحصار عن منطقة نبع السلام، وقد أُعدّ التقرير بالشراكة بين سوريا 24 و M’CT.
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي