دافوس 2026: قمة النخبة في عالم متصدع.. هل ينجح "روح الحوار" في زمن الصراعات؟


هذا الخبر بعنوان "دافوس 2026.. بين طموحات كبرى وواقع عالمي مضطرب" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ أكثر من نصف قرن، اعتاد نخبة العالم الاجتماع في منتجع دافوس السويسري تحت شعار طموح هو "تحسين وضع العالم". لكن دورة عام 2026 تنعقد في سياق عالمي مختلف جذرياً، حيث يمر النظام الدولي بأزمة قد تكون الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسط تصاعد النزاعات المسلحة، وتآكل التعددية، وعودة منطق الصدام بين القوى الكبرى.
انطلقت فعاليات المنتدى يوم الإثنين، 19 كانون الثاني 2026، وتستمر حتى 23 منه، تحت شعار "روح الحوار". يشارك في هذه الدورة نحو 3000 شخصية من رؤساء دول وحكومات، ومسؤولين دوليين، وقادة كبرى الشركات، وخبراء من مختلف المجالات. يأتي هذا الحشد في محاولة لاستعادة خيط التواصل في عالم يبدو أكثر انقساماً وأقل استعداداً للتوافق.
يعقد المنتدى هذا العام بينما لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية مستمرة، والعدوان الإسرائيلي على غزة يهدد بتفكيك المبادئ الأساسية للقانون الدولي. وفي الخلفية، تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، وتتسع دائرة الصدام الجيو-اقتصادي عبر العقوبات، وسلاسل الإمداد المقطوعة، والرسوم الجمركية الانتقامية. يؤكد تقرير المخاطر العالمية الصادر عن المنتدى أن "التنافس الجيو-اقتصادي بين القوى الكبرى" بات التهديد الأبرز خلال العامين المقبلين، متقدّماً حتى على الحروب المباشرة، والتغير المناخي، وانتشار التضليل الإعلامي. هذا مؤشر صارخ على انتقال العالم من عصر العولمة إلى عصر المنافسة الإستراتيجية الصلبة.
تشهد دورة 2026 حضوراً سياسياً غير مسبوق، مع مشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، إلى جانب نحو 850 رئيس مجلس إدارة ومديراً تنفيذياً لشركات عالمية، وعشرات الوزراء المعنيين بالاقتصاد والتجارة والشؤون الخارجية. يبرز الحضور الأمريكي بشكل استثنائي، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي وصل اليوم الأربعاء على رأس أكبر وفد أمريكي في تاريخ المنتدى، يضم وزراء الخارجية ماركو روبيو، والخزانة سكوت بيسنت، والتجارة هوارد لوتنيك، إضافة إلى المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف. وبحسب صحيفة "ذا غارديان"، فإن هذا الحشد يعكس رغبة واشنطن في فرض أجندتها داخل المنتدى، لا مجرد المشاركة فيه. في المقابل، يسعى قادة أوروبيون ومسؤولون دوليون إلى استخدام المنصة للدفاع عن التجارة الحرة، ودعم أوكرانيا، والحفاظ على ما تبقى من النظام الدولي القائم على القواعد.
تشير الصحيفة البريطانية إلى أنه رغم شعار الدورة "روح الحوار"، إلا أن هناك تناقضاً صارخاً بين الخطاب والواقع. فحضور ترامب، الذي ارتبط اسمه بتقويض المؤسسات متعددة الأطراف، وتهديد الحلفاء بالرسوم الجمركية، وطرحه علناً فكرة ضم جزيرة غرينلاند، حوّل المنتدى إلى ساحة اختبار قوة أكثر من كونه مساحة تفاهم. أصبحت غرينلاند، رغم بعدها الجغرافي عن جبال الألب، أحد أبرز ملفات النقاش في كواليس دافوس، بعد أن أعلن ترامب نيته عقد اجتماعات حولها على هامش المنتدى، معتبراً إياها "مصلحة أمنية حيوية للولايات المتحدة". يرى مراقبون أن توقيت هذه التصريحات ليس عشوائياً، بل مقصود لاستغلال الزخم الإعلامي والسياسي الذي يوفره دافوس.
رغم محاولات التجديد، لا يزال المنتدى يُنظر إليه على أنه ملتقى للنخب. فتكلفة العضوية الباهظة، ونظام الدعوات المغلق، والبطاقات الملونة التي تحدد مستويات الوصول، كلها تعزز صورة الحدث كـ"نادٍ حصري" للأقوياء. تتزامن فعالياته مع احتجاجات في دافوس ومدن سويسرية أخرى، تندد بعدم المساواة، والتهرب الضريبي، وهيمنة الشركات الكبرى، وتصف المنتدى بأنه يقدم "كثيراً من الكلام، وقليلًا من الإنجاز". بل إن بعض المشاركين داخل أروقة المنتدى يعترفون بأن دافوس أصبح ضحية نجاحه، وسط نقاشات جادة حول إمكانية نقل مكان انعقاده مستقبلاً، بسبب الضغط اللوجستي وتضخم الحدث.
لا يمكن إنكار أن المنتدى لعب دوراً في إطلاق مبادرات ذات تأثير حقيقي، مثل المساهمة في تطبيع العلاقات بين تركيا واليونان عام 1988، وإطلاق التحالف العالمي للقاحات (Gavi) عام 2000، ودفع قضايا التغير المناخي، والصحة العالمية، والحوكمة الرقمية إلى صدارة الأجندات الدولية. لكن منتقديه يشيرون إلى أن هذه الإنجازات تظل استثناءات، وأن القرارات الحاسمة تُتخذ في عواصم القرار، لا في المنتجعات الجبلية. ومع انعقاد دورة 2026، يتبادر إلى الذهن سؤال: ما الذي يستطيع منتدى دافوس القيام به لإنقاذ النظام العالمي، أم أنه ليس أكثر من مجرد منصة نخبوية؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة