العدالة الثقافية: دعامة أساسية لتعزيز التماسك المجتمعي وبناء الهوية الوطنية السورية


هذا الخبر بعنوان "العدالة الثقافية.. قاعدة للتماسك المجتمعي وبناء الهوية الوطنية الجامعة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ العدالة الثقافية مدخلاً جوهرياً لتعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ الهوية الوطنية، وذلك بضمان حق جميع أفراد المجتمع في الوصول إلى المعرفة والمشاركة الفاعلة في الحياة الثقافية دون أي تمييز. في سياق الجهود الرامية لدعم التعافي المجتمعي وإعادة تنشيط المؤسسات الثقافية، تبرز أهمية الدور المحوري للمكتبات الوطنية في حفظ الذاكرة الجمعية وصون التراث وإنتاج سرديات ثقافية جامعة تسهم في بناء وعي وطني مستدام، وتصب في تحقيق العدالة الانتقالية.
يوضح مدير المكتبة الوطنية، سعيد حجازي، لصحيفة الثورة السورية، أن مفهوم العدالة الثقافية يمكن تفسيره من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
يضيف حجازي أن المكتبات بشكل عام لم تعد تقتصر على الدور المعرفي فحسب، بل بات لها دور مجتمعي واسع، حيث تصل إلى كل بيت عبر المنصات الرقمية، والفعاليات والأنشطة، وتسهيل الإعارة. كما تساهم في بناء الحالة المعرفية والثقافية وتطوير برامج الذكاء الاصطناعي بتقديم المراجع والمصادر، فهي ليست مجرد مستودعات للكتب.
ويؤكد أن المكتبات عامة، والمكتبة الوطنية خاصة في سوريا اليوم، تتحمل مسؤولية جسيمة في حفظ الذاكرة السورية بعد سنوات من التدمير الممنهج والإجرام الذي قام به النظام المخلوع. فمهمتها تشمل حفظ التراث السوري الغني بالوثائق والمخطوطات القيمة، وجمع الإنتاج الفكري السوري من كتب وأطروحات داخل وخارج البلاد، بالإضافة إلى حفظ الجانب السياسي المتمثل في السردية الوطنية لسوريا، خاصة بعد طمس المعالم الثقافية والسياسية خلال حكم البعث. هذا يتطلب توثيقها عبر المنتجات المسموعة والمرئية والمكتوبة.
وانطلاقاً من هذه الأهمية، أعلنت المكتبة الوطنية عن افتتاح قاعة «الحكاية السورية» بهدف جمع وأرشفة كل ما يتعلق بالدولة السورية منذ تأسيسها، مروراً باستيلاء البعث على الحكم وفترة الأسدين الأب والابن، وصولاً إلى قيام الثورة السورية وانتصارها على الطغيان، وما أعقب ذلك من رؤى استراتيجية ووطنية. ويجري العمل على توثيق هذه المواد وجمعها واستكمالها لإتاحتها لاحقاً للقراء والباحثين دون قيد أو شرط.
يوضح حجازي أن حفظ التراث، بما يحويه من وثائق وآثار ومخطوطات، هو المنطلق الحقيقي لصناعة الهوية الثقافية السورية، ومن ثم بناء الهوية الوطنية الجامعة. هذا يجعل الاطلاع على هذا التراث وحفظه ضرورة ملحة، ليس من باب التغني بالماضي، بل للتعرف على الإرث الحضاري السوري الموروث. فسوريا، عبر الحضارات المتعاقبة، لعبت دوراً ريادياً يؤهلها لتكون في مصاف الدول الأولى عالمياً، مذكراً بأن أول مكتبة مكتشفة حول العالم هي مكتبة «إيبلا» ولها فهرس، وأن سوريا مهد الأبجدية الأولى. فحفظ هذا التراث والاطلاع عليه هو الخطوة الأولى للتعرف على نقاط القوة والضعف وتصحيح المسار لبناء سوريا المستقبل، وحماية التراث من أهم مبادئ العدالة الثقافية.
في سياق متصل، يؤكد مدير مديرية إعلام دمشق، الكاتب والسيناريست إبراهيم كوكي، لـ«الثورة السورية»، أن الثقافة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في مسار تحقيق العدالة الانتقالية. فالثقافة تساهم في منع تكرار الانتهاكات من خلال رفع مستوى الوعي لدى الأفراد بحقوقهم وواجباتهم ووطنيتهم، وتوعيتهم بدورهم تجاه الدولة والقانون. فالثقافة التي تعرف المواطن بالعلاقة السوية بينه وبين القانون تدفع الناس للمطالبة بحقوقهم ومنع إعادة منظومات الفساد والاستبداد وهيمنة الموظف على المواطن، مما يشكل عاملاً وقائياً من تكرار دائرة العنف والفساد في المجتمعات، كما تلعب دوراً مهماً في صياغة مفهوم المواطنة وحقوق الانتماء.
ويشدد كوكي على أن الهوية الثقافية تعتمد في صناعتها على بنية المجتمع، ولكل فئة هوية ثقافية ذات خصوصية وأصالة، تندرج جميعها تحت الهوية الوطنية الجامعة. ويلفت إلى أن المجتمع السوري يتألف من مجموعة ثقافات، وهنا تكمن الحاجة إلى التعرف على ثقافاتنا وتقبلها واستخدامها لتعزيز الهوية الوطنية الجامعة. فلا بد من الحفاظ على خصوصية المجموعات البدوية والقروية والقبلية والحضرية والمدنية، وبناء هوية جامعة من خلال تنوع هذه الثقافات، فالعدالة الثقافية تقوم على الاعتراف بالهويات واحترام التنوع الثقافي.
وحول مسؤولية المؤسسات الثقافية لدعم هذا المسار، يوضح كوكي أن وظيفتها تتمثل في تعزيز الانتماء لدى المواطنين لثقافتهم، وإبراز ما في المجتمع من ثقافات وعدم تجاوز ثقافات المجتمعات المحلية، من خلال التوجه إلى المجتمعات والتواصل معها ومساعدتها على إبراز هوياتها الثقافية ووجهها الحضاري لتقوم بدورها. مؤكداً أنه حين يدرك المجتمع التنوع الثقافي والفكري والمجتمعي داخل الجغرافيا السورية، يصبح على يقين بأهمية هذا التنوع، فلا بد من الاعتراف بالثقافات وضمان ألا تطغى ثقافة على أخرى، إذ من شأن ذلك الحد من الانقسامات والتقليل من شأن الآخر والتنافر بين أبناء المجتمعات المختلفة، فالاختلاف الثقافي هو مصدر قوة ودعم لبناء سوريا المستقبل.
وهكذا تبرز العدالة الثقافية كأداة لدعم الحوار المجتمعي وتوسيع المشاركة، وتحويل الثقافة إلى عنصر فاعل في مسار بناء سوريا المستقبل ودعم استقرارها البنيوي المجتمعي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة