سياسة

العدالة الانتقالية في سوريا: أهمية التصنيف القانوني للضحايا لضمان الحقوق وجبر الضرر

enabbaladi.net٢٣ كانون الثاني ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٨ م10 مشاهدة
العدالة الانتقالية في سوريا: أهمية التصنيف القانوني للضحايا لضمان الحقوق وجبر الضرر

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا نحتاج لتصنيف الضحايا قانونيًا في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يُعد التصنيف الدقيق للضحايا حجر الزاوية لنجاح مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وضمان جبر الأضرار التي لحقت بهم، ومنع تكرار الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد على مدار السنوات الماضية. هذا ما أكدته ورقة بحثية حديثة نشرها معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP).

الورقة، التي أعدها الصحفي والحقوقي منصور العمري ونُشرت في 21 من كانون الثاني، توضح أن تحديد تعريف واضح لـ "الضحية" وتصنيفها ضمن فئات محددة ليس مجرد إجراء فني، بل هو بناء اجتماعي وقانوني محكم يحمي ملف العدالة من التسييس ويضمن شمولية آليات المحاسبة والإنصاف.

في ظل المرحلة الانتقالية الحساسة التي تمر بها سوريا، والتي يُتوقع أن تبلغ ذروتها في عام 2026، تبرز الحاجة الماسة لتعريف "الضحية" بناءً على طبيعة الفعل الجرمي والضرر المترتب عليه، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو هوية الجاني أو انتماءات المتضررين.

وقد مهدت هذه الرؤية البحثية، بحسب العمري، للإجابة عن تساؤلات جوهرية تتعلق بمسودة قانون العدالة الانتقالية قيد النقاش، وذلك بالتركيز على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: تعريف الضحية بما يضمن حقوق الفئات الأقل ظهورًا أو الأكثر هشاشة، مثل ضحايا العنف الجنسي والأطفال المجندين.
  • الثانية: التمييز الواضح بين الجبر الفردي، الذي يشمل التعويضات المادية، والجبر الجماعي الهيكلي، الذي يهدف إلى إصلاح مؤسسات الدولة المتضررة.

نظام أولويات: الحقيقة للمغيبين أولًا

أشارت الورقة إلى أن الأعداد الهائلة للضحايا في سوريا تستدعي تصميم "نظام أولويات" فعال لتعظيم كفاءة عمليات جبر الضرر. وحث منصور العمري، الحاصل على درجة الماجستير في العدالة الانتقالية والنزاعات، على منح الأولوية القصوى لفئات معينة، مثل ضحايا الإخفاء القسري، نظرًا للحاجة الملحة للكشف عن مصيرهم وإحقاق الحقيقة.

وأوضح العمري أن عائلات المفقودين تحتاج، قبل أي تعويض مادي، إلى معرفة مصير أحبائهم والوصول إلى رفاتهم، لتسهيل الإجراءات القانونية المتعلقة بالإرث والوصاية. وهذا يجعل "كشف الحقيقة" والدعم النفسي حجر الزاوية في إنصاف هذه الفئة التي تعد من الأكثر تضررًا.

إصلاح المؤسسة عبر الفرد

إن الاستهداف المنهجي الذي مارسه نظام الأسد لقطاعات حيوية ومحددة مثل الصحة والإعلام والتعليم، يفرض نوعًا خاصًا من "جبر الضرر" يتجاوز التعويض الفردي.

  • ففي القطاع الصحي، الذي تشير تقديرات منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان إلى أن النظام وحلفاءه مسؤولون عن 90% من وفيات كوادره، لا يقتصر جبر الضرر على الطبيب كفرد، بل يمتد ليشمل إصلاح المنظومة الصحية بأكملها لضمان حماية المؤسسات الطبية مستقبلًا.
  • الأمر ذاته ينطبق على قطاع التعليم، الذي تعرضت فيه ما لا يقل عن 1714 مدرسة للاعتداءات منذ عام 2011، مما يستدعي إصلاحات هيكلية.
  • وكذلك الحال بالنسبة للإعلاميين، حيث سجلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 717 صحفيًا منذ عام 2011. هنا يبرز "الجبر الهيكلي" عبر إصلاح القوانين لضمان حرية الإعلام وحماية حق المجتمع في المعرفة.

الاستفادة من تجربة كولومبيا

استعرضت الورقة البحثية التجربة الكولومبية كنموذج رائد في هذا المجال، حيث أصدرت كولومبيا عام 2011 "قانون الضحايا وجبر الضرر". هذا القانون أدى إلى إنشاء "سجل وطني للضحايا" أتاح معالجة 16 مليون طلب تعويض لنحو 9 ملايين شخص.

وبيّن التقرير أن التنظيم الدقيق والمقنن، وتصنيف الضحايا في فئات متسقة (مثل الوفاة، الإخفاء القسري، التعذيب، النزوح)، هو ما مكّن كولومبيا من إدارة هذا الحجم الهائل من الطلبات. وهو ما تحتاجه سوريا لمواجهة التحديات اللوجستية الكبيرة في توثيق وجبر ضرر ملايين السوريين.

ضمانات استقلالية ملف العدالة

دعا منصور العمري إلى إنشاء وحدة متخصصة لإدارة جبر الضرر، تضم خبراء قانونيين ومحللي بيانات، مع التأكيد على ضرورة إدراج فئات الضحايا في نص قانون العدالة الانتقالية بشكل واضح لا يقبل التفسير السياسي أو التأويل.

واقترحت الورقة أن تتمتع لجنة جبر الضرر التابعة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بحصانة كاملة ضد التدخلات الحكومية، وأن تُدار من قبل خبراء تقنيين لا يشغلون مناصب حزبية. هذا يضمن استمرارية إنصاف المتضررين بمعايير حقوقية مجردة تتجاوز صراعات الهوية والانتماء.

شارك الخبر: