«الثلجة الثالثة»: حلوى الشتاء السورية التي توحد الأجيال وتجمع الأذواق


هذا الخبر بعنوان "“الثلجة الثالثة”.. حلوى الشتاء التي تجمع السوريين على طعم واحد" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كل شتاء، ومع أول تساقط للثلج، كان السوريون ينتظرون «الثلجة الثالثة» بفارغ الصبر، وكأنها عيد صغير. لا يرجع هذا الانتظار لكونها الأبرد، بل لأنها، وفقاً للذاكرة الشعبية، الوحيدة «الصالحة للأكل». عندها فقط، يتحول الثلج من برد قارس إلى حلوى دافئة المعنى، تُسكب فوقها دبس العنب أو شراب الورد أو البرتقال، وتُؤكل جماعياً في البيوت والساحات، تحت مسميات مختلفة، لكن بطعم واحد يجمع القلوب.
تستعيد السبعينية عائشة مصطفى، من ريف طرطوس، هذا الطقس الذي ما يزال حاضراً بقوة في ذاكرتها، وتصرح لـ«سناك سوري» قائلة: «كان كبار السن يقولون: أول ثلجة دم، والثانية سم، أما الثالثة فكُل ولا تهتم... وكنا نحضر «البقسمة» التي نسميها «بوظة الشتاء»؛ ثلج أبيض مع دبس العنب، وكانت أطيب من أي بوظة». تصف عائشة هذه الأكلة بأنها جزء من طفولة جماعية، لا فردية، حيث كان الأطفال يتجمعون حول وعاء واحد، دون خوف من البرد أو المرض.
في الشمال السوري، وتحديداً في حلب وإدلب، تأخذ هذه الأكلة اسماً آخر. تقول عائدة (60 عاماً): «كنا نضع للثلج شراب البرتقال أو الورد ونأكله في حلب، ونسميه «سويق»، يشبه «السلاش» اليوم لكن بنكهة الطفولة». ويضيف حسان، من ريف إدلب: «كنا نضيف دبس العنب أو التمر، وما زال هناك أناس حتى اليوم يصنعونها كل شتوية».
لا تختلف القصة كثيراً في مناطق القلمون والسويداء الجبلية الثلجية، حيث تظهر الأكلة نفسها بنفس القاعدة الشعبية: لا يُؤكل الثلج إلا بعد التساقط الثالث. هذه قناعة شعبية واحدة تمتد من الساحل إلى الجنوب، دون اتفاق مسبق أو تدخل من أي وزارة تُعنى بالتراث.
وفي سياق متصل، يؤكد طبيب الأطفال حسن الحامض لـ«سناك سوري» على أهمية أن يكون مصدر الثلج نظيفاً، وهو ما يتحقق في «الثلجة الثالثة». ويضيف أن دبس العنب غني بالطاقة ومفيد للأطفال، لكنه يفضل تناوله ببطء لتجنب تشنجات الحلق والجهاز الهضمي.
إن ما يجمع السوريين هنا ليس مجرد أكلة، بل طريقة تفكير واحدة، الانتظار نفسه، الطقس نفسه، الحذر نفسه، والمتعة نفسها، حتى الخرافة نفسها. ورغم الانقسامات التي شهدتها البلاد، بقيت هذه التفاصيل الصغيرة خارج كل اصطفاف، فالثلج لا يعرف طائفة، والدبس لا يسأل عن الهوية. ولعل أطفال طرطوس يشبهون أطفال إدلب أكثر مما يتخيل السياسيون، وإن اختلف السوريون على شكل دولتهم، فقد اتفقوا منذ زمن بعيد على أمر واحد: لا تُؤكل الثلجة الأولى، والثالثة وحدها هي الأطيب.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة