الحسكة على حافة الهاوية: حصار داخلي يهدد حياة السكان وموارد المعيشة تتحول إلى وقود صراع


هذا الخبر بعنوان "سكان الحسكة يخشون مواجهة شاملة: الموارد في خدمة المعركة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
باتت مدينة الحسكة تجسد نموذجًا مصغرًا للتعقيد الذي آلت إليه الأوضاع في سوريا، حيث تجاوز المشهد مجرد تحشيد عسكري أو تصريحات سياسية متبادلة، ليتحول إلى صراع وجودي يمس جوهر الحياة اليومية للأهالي. يجد السكان أنفسهم فجأة بين تهديد بمواجهة عسكرية شاملة من جهة، وانهيار كامل في منظومة الخدمات الأساسية التي باتت تُستخدم كسلاح في معركة عض الأصابع من جهة أخرى.
بدأت ملامح الاختناق الحالي مع انتهاء “مهلة الاندماج” التي فرضتها الحكومة السورية على “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والتي حملت في طياتها نذير صدام مقبل. هذه الضغوط السياسية تُرجمت ميدانيًا إلى حالة من “الحصار الداخلي” غير المعلن، حيث تحولت أحياء الحسكة إلى ما يشبه السجن الكبير. القلق الشعبي المتزايد لم يأتِ من فراغ، بل من واقع ملموس يرى فيه المواطن أن رغيف الخبز والماء باتا رهينة لقرارات عسكرية لا تضع احتياجاته في الحسبان، بحسب ما رصده مراسل عنب بلدي في مدينة الحسكة، من شهادات للسكان المحليين.
في أحياء “النشوة” و”غويران” و”العزيزية”، غاب مشهد الطوابير التقليدي أمام الأفران الآلية، ليس لأن الحاجة انتهت، بل لأن الأفران توقفت عن إطعام المدنيين. ما حدث هو تحول مفاجئ في سياسة التوزيع؛ حيث أفاد السكان بأن “الكومينات”، وهم المعتمدون المحليون التابعون للإدارة الذاتية، توقفوا عن تسليم مادة الخبز اليومية للأسر، ويعود السبب إلى تحويل الإنتاج بالكامل لما يسمى “الجهد الحربي”، كما يُشاع بين الأوساط الأهلية. هذا المصطلح يعني عمليًا توجيه مئات الآلاف من أرغفة الخبز يوميًا لتأمين احتياجات المقاتلين والتحصينات العسكرية التي تُبنى على عجل عند مداخل المدينة ومحيط سجن الصناعة.
رب أسرة من سكان حي العزيزية، تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية، قال إن غياب الخبز لعدة أيام متواصلة دفع الناس للبحث عن بدائل في الأفران الخاصة التي لا تخضع لسيطرة الكومينات، إلا أن هذه الأفران شهدت ازدحامًا خانقًا، مما جعل الحصول على الرغيف “مهمة مستحيلة” للغالبية العظمى، وسط عجز في احتياجات السوق المحلية وصل إلى نحو 70%.
لم تقتصر الأزمة الإنسانية على مادة الخبز، إذ دخلت مشكلة المياه، وهي المعضلة المزمنة في الحسكة، مرحلة “الحرج الشديد”. فمنذ سنوات تعتمد المدينة بشكل كامل على مياه الصهاريج الجوالة نتيجة خروج محطة “علوك” في ريف رأس العين عن الخدمة وتكرار قطعها. ولكن مع التوتر العسكري الأخير وفرض حظر التجوال الليلي، توقفت حركة هذه الصهاريج داخل الأحياء بشكل شبه كامل، نتيجة خشية أصحاب الصهاريج من مصادرة آلياتهم، أو استهدافها عند الحواجز العسكرية التي قطعت الأوصال بين الأحياء. وتحدثت نازحة تقيم في حي الكلاسة، بمرارة عن خزانات فارغة تمامًا واضطرار الأهالي لتجميع ما تبقى في أسفل الخزانات القديمة، ما يثير مخاوف جدية من انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة لجوء البعض لمصادر مياه غير آمنة.
واقع الأسواق في مدينة الحسكة لم يكن أفضل حالًا من واقع الخبز والمياه، فقد شهدت الأسواق حالة من “الهجوم” غير المسبوق من قبل الأهالي لتخزين المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والسكر والزيوت. وأدى الإقبال الكثيف على شراء المواد إلى نفاد سريع للمخزون، ولكن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، بل برزت ظاهرة الاحتكار بشكل فج. فبينما يبرر التجار نقص المواد بعدم استقرار سعر الصرف وصعوبة النقل، يتهم السكان بعض كبار الموردين بإخفاء المواد في المستودعات لرفع أسعارها لاحقًا مع اشتداد الأزمة.
ترافق ذلك مع فرض حظر تجوال يبدأ من السابعة مساءً، مما قلص ساعات التسوق وزاد من الضغط الميداني، حيث تكتظ الأسواق في ساعات الصباح الباكر، وهو ما يسهل عمليات استغلال الحاجة ورفع الأسعار عشوائيًا. هذا الواقع الاقتصادي المتردي جعل المواطن يشعر بأنه محاصر ليس فقط بالتحشيدات العسكرية للجانبين، بل وبغلاء فاحش يلتهم ما تبقى من مدخراته البسيطة.
المصاعب الإنسانية لأهالي الحسكة لم تقف هنا، فقد بدأت عشرات العائلات بالنزوح من الأحياء القريبة من نقاط التماس نحو الأرياف الأكثر هدوءًا، خوفًا من تحول المدينة إلى ساحة لحرب شوارع. صمت القوى المتصارعة وغياب أي تطمينات حقيقية يجعل من الحسكة مدينة تنتظر المجهول، حيث يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يواجه حظرًا يطبق على أنفاسه ليلًا، وجوعًا وعطشًا يطارده نهارًا، مع استمرار التوتر بعد انتهاء مهلة الاندماج.
سوريا محلي
صحة
سوريا محلي
سوريا محلي