قسد وإسرائيل: تقارب متصاعد في ظل المتغيرات السورية وموقف تركيا الحرج


هذا الخبر بعنوان "هل تتجه قسد لإسرائيل؟ وما موقف تركيا؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن العلاقة بين إسرائيل وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) محط اهتمام كبير في السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد، حيث كان يُنظر إلى قسد على أنها مرتبطة بشكل رئيسي بالدعم الأمريكي المقدم لها في إطار مكافحة تنظيم الدولة منذ عام 2014. كما كانت مجموعات التنظيم الموجودة في منطقة غرب نهر الفرات ترتبط بكل من روسيا وإيران.
بعد فرار الأسد من سوريا وسقوط نظامه وتشكيل حكومة جديدة للبلاد من القوى العسكرية والسياسية التي عملت على إسقاطه، شهدت سوريا تحولات عديدة إثر انتهاء حالة الاستعصاء التي استمرت لسنوات. تغير نظام الحكم السياسي بالكامل، وشرعت الحكومة السورية الجديدة في تشكيل مؤسسات الدولة التي تفككت مع فرار الأسد.
تراجع دور كل من روسيا وإيران في سوريا، وشهد الموقف الأمريكي متغيرات مع تولي دونالد ترمب الرئاسة. في المقابل، أظهرت تل أبيب نزعة قوية للتدخل المباشر في الشأن السوري على الأصعدة العسكرية والأمنية والسياسية. هذا الأمر أتاح للمنظومات المناهضة للحكومة السورية الجديدة والرافضة لتوحيد الجغرافيا السورية تحت سلطتها، ومنها قسد، البحث عن خيارات دعم جديدة على المستويات العسكرية والأمنية والسياسية.
منذ عام 2012، ترددت معلومات في الأوساط الكردية السورية تفيد بأن انتشار وحدات حماية الشعب الكردية، المكون الأكبر لقسد، ضمن مناطق واسعة من سوريا، تم بموجب وساطة إيرانية واتفاق مع نظام الأسد. تأكد هذا الاعتقاد بعد تصريحات صالح مسلم، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي آنذاك في آب/أغسطس 2013، حيث أوضح أن مسؤولين إيرانيين بارزين أخبروه بأن مشروع “الإدارة المدنية الانتقالية” في شمال شرق سوريا حق مشروع، بالإضافة إلى وجود اتفاق مشترك مع طهران على محاربة “المتشددين”.
جاءت التطورات المتعلقة بتمدد الوحدات إثر التوافق مع إيران على مشروع “الإدارة الذاتية” بالتزامن مع تصاعد دور الفصائل المدعومة من إيران في الساحة العراقية، والتي نشطت في مكافحة تنظيم الدولة تحت مظلة الحشد الشعبي، الذي ضم فصائل كردية مثل وحدات حماية سنجار المرتبطة بحزب العمال الكردستاني. ساندت فصائل سورية مدعومة من إيران، أبرزها “درع الزهراء” و”فوج قاسم سليماني” و”الفرقة الرابعة”، وحدات حماية الشعب خلال هجوم فصائل المعارضة السورية المدعومة تركيًا في عفرين مطلع عام 2018، حيث قاتل الطرفان جنبًا إلى جنب قبل أن تخسر الوحدات المنطقة وتتقلص باتجاه تل رفعت وما جاورها، التي شهدت انتشارًا مشتركًا بينها وبين ميليشيات محلية مرتبطة بإيران.
بعد الاتفاق الأمريكي الروسي مطلع عام 2016، الذي قسم سوريا إلى شرق وغرب نهر الفرات، اتجهت وحدات الحماية المتمركزة في حلب وريفها إلى التنسيق مع روسيا. شاركت الوحدات في عمليات عسكرية دعمتها روسيا جوًا في شباط/فبراير 2016، وسيطرت على مناطق حدودية مع تركيا شمالي حلب، أبرزها تل رفعت، في وقت شهدت العلاقات الروسية التركية توترًا إثر إسقاط أنقرة طائرة روسية أواخر عام 2015.
أقامت روسيا نقاط مراقبة عسكرية في عفرين بعيد إطلاق تركيا عملية عسكرية في ريف حلب أواخر عام 2016 استهدفت “التنظيمات الإرهابية”. لجأت وحدات الحماية إلى الغطاء الروسي مجددًا في تشرين الأول/أكتوبر 2019، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انسحابًا جزئيًا من شمال شرق سوريا، وإطلاق تركيا عملية “نبع السلام”. توافقت الوحدات مع روسيا على تأسيس قاعدة عسكرية في القامشلي، واستمرت روسيا في تسيير دوريات مشتركة مع الوحدات ضمن الحسكة حتى عام 2023.
لاحقًا، بدا أن علاقة روسيا مع وحدات الحماية ذات أهداف تكتيكية، حيث سحبت روسيا نقاطها العسكرية من عفرين قبيل إطلاق تركيا عملية “غصن الزيتون” عام 2018، في حقبة شهدت تطور التنسيق التركي الروسي ضمن مسار أستانا. في المقابل، حافظت إيران على هذه العلاقات إلى وقت قريب، حيث أكد الجيش السوري أن الطائرات المسيرة التي استهدفت وحدات حماية الشعب في حلب خلال المواجهات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية مطلع كانون الثاني/يناير الجاري إيرانية الصنع.
بعد سقوط نظام الأسد، تراجع دور كل من روسيا وإيران، وقلصت روسيا من قواتها في سوريا. في 14 كانون الثاني/يناير الحالي، استعرضت تقارير استقصائية صورًا من الأقمار الصناعية تشير إلى اختفاء العتاد الروسي من مطار القامشلي بشكل شبه كامل، مما يعني أن وحدات الحماية وقسد عمومًا فقدا هامش مناورة وفره لهما الدوران الإيراني والروسي.
طرأت تغيرات على مسار وحدات الحماية أواخر عام 2015، تمثلت بانضوائها ضمن تشكيل جديد يسمى “قوات سوريا الديمقراطية” التي حظيت بدعم التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة، مما مهد لفتح الأبواب أمام قسد للتواصل مع أطراف دولية جديدة عبر مظلة التحالف.
كان الإعلان الإسرائيلي عن الاتصالات مع قوات سوريا الديمقراطية في يوم فرار الأسد من سوريا، في 7 كانون الأول/ديسمبر 2024، بمثابة إشهار للعلاقات، حيث كشفت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية عن إجراء حوار أولي مع قسد. في 13 كانون الأول/ديسمبر 2025، اتهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قسد بأنها تستمد جرأتها من إسرائيل، كما أشار الناطق باسم وزارة الدفاع التركية، زكي أكتورك، إلى أن بعض الدول تشجع قسد على رفض إلقاء السلاح. جاءت هذه التصريحات بعد جولات تفاوض عديدة بين الحكومة السورية وقسد على مدار عام كامل، لم تؤد إلى أي نتيجة بشأن آليات الاندماج بين الجانبين، وفقًا لاتفاق 10 آذار/مارس 2025.
عززت التسريبات التي نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية بعد أيام من التصريحات التركية الاتهامات لقسد بتلقيها دعمًا إسرائيليًا، حيث نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين تأكيدات بأن تل أبيب تقدم الدعم لشيخ العقل الدرزي حكمت الهجري والجماعة المسلحة الموالية له عن طريق تنظيم قسد، في إطار مسعى لإضعاف التماسك الوطني السوري. وقبيل هذه التسريبات، أجرى قائد قسد مظلوم عبدي للمرة الأولى مقابلة مع صحيفة “جيروزاليم بوست” أواخر عام 2025، محذرًا من مغبة تراجع الدعم الأمريكي لقسد وأثر ذلك على عودة تهديد تنظيم الدولة.
على الرغم من تبلور ملامح الاتصالات بين قسد وإسرائيل في العام التالي لسقوط نظام الأسد، فإن المؤشرات تدل على وجود علاقات أقدم منذ عام 2019، بعد العملية العسكرية التركية بالتعاون مع فصائل المعارضة السورية ضد قسد شمالي وشرق سوريا تحت مسمى “نبع السلام”. حينها صدرت تحذيرات من الجيش الإسرائيلي وأعضاء في حزب الليكود من زعزعة الاستقرار في المنطقة الكردية، مع الحديث عن مخاوف من حصول مذبحة ضد الكرد، وإشارة أعضاء في الكنيست إلى أن إسرائيل دولة قومية لأقلية إثنية ولا تستطيع أن تغمض عينيها عن معاناة الكرد. كما تحدثت تسريبات عن تحركات لجماعات الضغط الإسرائيلية في واشنطن للتأثير على قرار إدارة ترمب ووقف العملية.
خلال العملية العسكرية التي نفذتها الحكومة السورية لإخراج وحدات حماية الشعب من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في حلب مطلع كانون الثاني/يناير الحالي، أدان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الهجمات التي اعتبر أنها تستهدف الكرد، وأكد أن المجتمع الدولي والغرب مدينون للأكراد الذين قاتلوا تنظيم الدولة. وعلى الرغم من عدم تأكيد التقارير الإسرائيلية التي تتحدث عن العلاقة مع قسد تقديم أي دعم مباشر، فإن موقع الجزيرة نت علم من مصادر أمنية سورية بوجود معلومات تشير إلى تنسيق أمني ومعلوماتي على الأقل بين تل أبيب وقسد.
أصبحت الاتصالات الإسرائيلية مع قسد علنية منذ سقوط نظام الأسد، وتصاعدت بالتوازي مع إعلان إدارة ترمب نيتها تخفيض عدد قواتها في سوريا، وتطور العلاقات بين قسد والحكومة السورية الجديدة، وانخراط الأخيرة في التحالف الدولي رسميًا في تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وصلت الأمور إلى درجة طلب قسد من تل أبيب مساعدات عاجلة، وفقًا لما كشفته صحيفة “إسرائيل هيوم” في كانون الأول/ديسمبر 2025، حيث أوضحت أن مسؤولين كبارًا في قسد طلبوا مساعدة عاجلة من تل أبيب، مؤكدين أنهم الوحيدون القادرون على منع التمدد التركي إذا حصلوا على دعم إسرائيل في مواجهة “الميليشيات الإسلامية السورية” المرتبطة بتركيا، التي سيشكل تمددها تهديدًا لتل أبيب.
يبدو أن المتغيرات في موقف واشنطن تجاه سوريا، والضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية الجمهورية على قسد لتقديم تنازلات للحكومة السورية، تدفع قسد إلى تعزيز تحالفها مع إسرائيل، التي تشهد العلاقة بينها وبين أنقرة توترًا شديدًا. أكدت هذه الضغوط صحيفة “ذا ناشونال” في تقرير لها نشرته في 14 كانون الثاني/يناير الجاري، نقلت فيه عن مسؤولين أكراد تأكيدهم أن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) مارست ضغوطًا على قسد للانسحاب من حيي الأشرفية والشيخ مقصود.
على عكس الوضع في محافظة السويداء، فإن شمال شرق سوريا بعيد عن الحدود الإسرائيلية وليس له تأثير مباشر على أمنها، ولا تملك إسرائيل إمكانية الاتصال الجغرافي مع شرق سوريا. بالإضافة إلى ذلك، فإن الترابط بين أبناء الطائفة الدرزية في سوريا وداخل إسرائيل، غير موجود في حالة قسد، بخلاف ما عليه الأمر بالنسبة للدروز الإسرائيليين الذين يمارسون الضغط على تل أبيب لتقديم الدعم للسويداء.
بناءً على ذلك، سيكون من الصعب توفير دعم عسكري إسرائيلي مباشر لقسد، خاصة مع سيطرة قوات الحكومة السورية على مساحات واسعة من بادية حمص وريف دير الزور، وتراجع إمكانية الاتصال الجغرافي بين مناطق سيطرة قسد والمجلس العسكري في السويداء المدعوم إسرائيليًا عبر باديتي دير الزور والسويداء. يبدو أن موقف إدارة ترمب من ضمن القيود التي تكبل توسع الدعم الإسرائيلي لقسد، وهذا ما نقلته صحيفة “إسرائيل هيوم” عن مصادر إسرائيلية، أشارت إلى صعوبة التحرك باتجاه دعم قسد دون موافقة أمريكية.
يأتي ذلك في وقت تدفع فيه إدارة ترمب باتجاه تطوير التفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب مع إدماج أنقرة ضمن هذا المسار، حيث حضر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان آخر جولة مباحثات انعقدت برعاية أمريكية في باريس مطلع كانون الثاني/يناير الجاري، ونتج عنها تفاهم أولي على تأسيس غرفة عمليات مشتركة. ومن المحتمل أيضًا ألا تفضل تل أبيب الذهاب بعيدًا في استفزاز الموقف التركي من خلال تطوير الدعم لقسد، خاصة في ظل الحضور العسكري والأمني التركي في سوريا.
كان الهجوم الذي نفذته الحكومة السورية على مواقع قسد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية قبل أكثر من أسبوع بمثابة اختبار لحدود الدعم الإسرائيلي لقسد، حيث اكتفت تل أبيب بإطلاق تصريحات سياسية دون تصعيد عسكري ضد الحكومة السورية، خلافًا لموقفها عندما دخلت القوات الحكومية إلى محافظة السويداء صيف عام 2025.
في ظل المعطيات السابقة، يرجح أن ينحصر الدعم الإسرائيلي لقسد في المرحلة الحالية في الجانبين الأمني والسياسي، ومحاولات التأثير في المؤسسات الأمريكية لمنع تفكيك تنظيم قسد بالكامل، على أمل حصول تبدلات في الموقف الأمريكي لاحقًا بطريقة قد توسع هوامش دعم تل أبيب للتنظيم مستقبلًا، حيث لا تخفي إسرائيل رغبتها في تقوية نماذج حكم ذاتية للأقليات الدينية والعرقية في سوريا، بما يمنع عودة نظام حكم مركزي قوي.
تأكدت توجهات إسرائيل لتقديم الدعم السياسي لقسد من خلال التقرير الذي نشرته هيئة البث الإسرائيلية أواخر عام 2025، وأكد أن تل أبيب حاولت إقناع إدارة ترمب بعدم رفع العقوبات عن سوريا، إلا أن هذه المساعي لم تنجح في ظل إصرار ترمب على قراره، مع وعده إسرائيل بتقديم ضمانات أمنية لها. وهذا الموقف الإسرائيلي يتناسب مع مطالب قسد والإدارة الذاتية التابعة لها، حيث حثت إلهام أحمد، مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إسرائيل على التدخل في سوريا، في مقابلة لها مع صحيفة “جيروزاليم بوست” في شباط/فبراير 2025، مؤكدة رفضها رفع العقوبات عن سوريا.
يبدو أن هامش الدعم الإسرائيلي السياسي لقسد يتقلص باستمرار، خاصة بعد توقيع قسد في 18 كانون الثاني/يناير الجاري اتفاقًا جديدًا للاندماج ضمن الدولة السورية، إثر الانتفاضة العشائرية التي أخرجت قسد من كامل محافظة دير الزور وأجزاء واسعة من الرقة. وخلال الانتفاضة التي قلصت من سيطرة قسد، عاد سيبان حمو، قائد وحدات الحماية التابعة لقسد، للتأكيد على رغبتهم في أن تحمي إسرائيل الكرد، استنادًا إلى الموقف الذي اتخذته تجاه بعض الأقليات، في إشارة إلى موقف تل أبيب من الدروز. لكن إسرائيل لم تبدِ أي رد فعل، ولا حتى تصريحات سياسية، خلال تقلص سيطرة قسد في دير الزور والرقة والحسكة، رغم مشاركة الجيش السوري بشكل جزئي في هذه العمليات، حيث تصدر المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك المشهد، ورعى بنفسه الاتفاق الجديد الذي ينص على اندماج قسد ضمن الدولة السورية أفرادًا، مع دخول المؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية ضمن الحكومة السورية.
ومن المحتمل أن تلعب عوامل أخرى دورًا في تخفيض حماسة إسرائيل لتطوير دعمها لقسد ووحدات الحماية التابعة لها، ولا سيما الارتباط الفكري والتنظيمي المستمر لوحدات الحماية -أكبر مكونات قسد- بحزب العمال الكردستاني، والتقارير العديدة التي تتحدث عن استمرار تلقي الوحدات دعمًا إيرانيًا، وهو ما حاول حمو نفيه في آخر مقابلة له مع وكالة “رويترز”، بالتوازي مع مطالبته بتدخل إسرائيلي أكبر لحمايتهم.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة