534 عاماً على سقوط غرناطة: جدل متجدد حول إرث الأندلس وتأثير الحضارة العربية


هذا الخبر بعنوان "534 عاماً مرّت على سقوط آخر معاقل الإسلام فى الأندلس وما فتئت شمُوعُنَا مُوقَدَة ودمُوعُنَا مُنسَكِبَة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الثاني من يناير/كانون الثاني 2026، شهدت مدينة غرناطة الاحتفال التقليدي الذي يحيي ذكرى سقوطها في عام 1492، والذي يُعدّ آخر معاقل الإسلام في الأندلس. سقطت المدينة آنذاك في أيدي الملكين الإسبانيين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيل، المعروفين بتعصبهما الشديد وعدائهما للإسلام والمسلمين. وقد حرصت السلطات المحلية في المدينة على منع استخدام الشعارات العدائية واللافتات العنصرية، ورفع أعلام المناطق الإسبانية المطالبة بالانفصال، وكل ما من شأنه التحريض على الكراهية.
تُشير الكاتبة الإسبانية ماغدالينا لاسالا إلى أن أبا عبد الله الصغير، على عكس ما قيل وأُشيع عنه بخصوص موقفه المهين بتسليم غرناطة للملكين الكاثوليكيين، كان رجلاً شجاعاً وحكيماً. فقد أدرك أنه يمثل نهاية حقبة تاريخية، وأنه لا يستطيع منافسة الجيوش القشتالية الهائلة. لذلك، عهد على إنقاذ قصر الحمراء، أهم المعالم المعمارية في المدينة. كان يعلم أن فرناندو الكاثوليكي المتعنت لم يكن ليتوقف عند أي عائق، وقد أخضع مدناً سابقة بعد حصارات دموية. لذا، كان السبيل الوحيد لإنقاذ قصر الحمراء من الدمار هو تسليم مفاتيح المدينة، وإلا لاقتحمت الجيوش القصر الفريد، ولما كان له وجود اليوم.
تباينت الآراء بين السياسيين الإسبان حول جدوى هذا الاحتفال. فقد استغلت إسبيرانسا أغيرِّي، الناطقة الرسمية السابقة للحزب الشعبي في بلدية مدريد، المناسبة للإدلاء بتصريحات شوفينية معادية للإسلام، قائلة إن يوم سقوط غرناطة هو «يوم المجد للإسبان جميعاً، فمع الإسلام لن تكون لنا حرية». هذه التصريحات أثارت موجة عارمة من الانتقادات في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، داخل إسبانيا وخارجها.
على النقيض، صرّح عمدة مدينة غرناطة السابق فرانسيسكو كوينكا، من الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، المناهض لهذا الاحتفال: «إن 2 يناير لا يقدم لنا أي قيم ديمقراطية، وهذا الاحتفال تستغله جماعات متطرفة موغلة في الحقد المجاني والكراهية. مدينة غرناطة لم يتم استرجاعها أبداً، بل تم تسليمها في أجواء سلمية للملكين الكاثوليكيين، والاتفاقيات التي أبرمت خلال هذا التسليم لم تُحترم ولم تُطبق أبداً». كما تعالت أصوات أخرى مناهضة للاحتفالات، مؤكدة أن «هؤلاء الذين أُبعدوا وطُردوا قهراً من ديارهم لم يكونوا عرباً أو أمازيغ، بل كانوا غرناطيين مثلنا... إننا لم نأتِ لإضرام الضغائن وتأجيج نيران الأحقاد حيال التاريخ، بل لنعترف ونعالج جروح الماضي بيننا لإقامة مزيد من التقارب والتفاهم والحوار».
كيف ينظر المثقفون الإسبان إلى هذه الاحتفالات؟ يشير الكاتب والشاعر والروائي الإسباني الكبير الراحل أنطونيو غالا إلى أنه في 2 يناير 1492، عندما سُلّمت غرناطة للملكين فرناندو وإيزابيل من طرف أبي عبد الله الصغير، أصبحت إسبانيا فقيرة ومنعزلة وهرمة لقرون، بعد أن أفلت شمس الحضارات السامية العربية الراقية فيها. عندها، انتهى عصر العلم والحكمة والفنون والثقافة الرفيعة والذوق والتهذيب. وتم مزج كل ما هو قوطي وروماني بالمعارف العربية البليغة. ويرى غالا أن ما أطلق عليه البعض غزواً كان في الواقع فتحاً ثقافياً، مما جعل الإسبان يسبقون عصر النهضة بحوالي قرنين. وظلت إسبانيا بعد ذلك التاريخ تافهة ومكروبة، وكان عليها أن تنظر إلى الخارج، ومن ثم كان ما يسمى بـ «عصر الاكتشاف».
يضيف أنطونيو غالا أن مكتبة قصر الحمراء، التي كان الجزء الأكبر منها يتألف من مكتبة مدينة الزهراء التي ضمت أكثر من 600 ألف مجلد، قد أمر الكاردينال سيسنيروس بحرقها عام 1501 في مكان يسمى «باب الرملة» بغرناطة، وهو اليوم ساحة كبرى تحمل الاسم العربي القديم. اختفت بذلك العديد من الوثائق والمخطوطات وأمهات الكتب النفيسة التي أبدعها علماء أجلاء في مختلف فروع المعارف والعلوم في الأندلس. ويُقال إن الجنود المكلفين بهذه المهمة كانوا يخفون بعض المخطوطات لفرط جمالها وروعتها، إذ كان معظمها مكتوباً بماء الذهب والفضة. ومن عجائب المصادفات، أن المدينة نفسها (قلعة النهر/ألكالا دي إيناريس)، التي نُقل إليها ما تبقى من هذه الثروة المعرفية الهائلة (حوالي 4000 مخطوط) التي نجت من الحرق، ستكون المدينة التي سيولد فيها لاحقاً شيخ الروائيين الإسبان ميغيل دي سيرفانتس، صاحب رواية «دون كيخوته دي لا مانشا» الشهيرة المستوحاة في غالبيتها من التراث العربي.
يشير غالا إلى أنه اكتشف أن أبا عبد الله الصغير أصبح في عيون الباحثين والمؤرخين والناس مخادعاً ومتخاذلاً وجباناً. فكتب التاريخ تصف لحظة التسليم المذل بقولها: «وافق السلطان أبو عبد الله الصغير على شروط التسليم، ولم يكن في مقدوره إلا أن يوافق، وتنازل عن آخر معقل للمسلمين في الأندلس، ووقف مع ثلة من فرسانه بسفح جبل الريحان، فلما مر موكب الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيل تقدم فسلم لهما مفاتيح المدينة، ثم لوى عنان جواده مولياً، ووقف من بعيد يودع ملكاً ذهب ومجداً ضاع. وكان هو بأعماله وسوء رأيه سبباً في التعجيل بضياعه». وتخبرنا هذه المراجع أن كلمات أمه كانت خير ما يوجه إليه في هذا المقام، فقد رأته يجهش بالبكاء فقالت له: «ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال!». وما زالت الربوة التي ألقى منها آخر نظرة على غرناطة وقصر الحمراء، ثم تنهد فيها تنهيدة حرى عميقة، حيث عاتبته أمه، تُسمى باسمه حتى اليوم Suspiro del Moro!
كان غالا كثيراً ما يتعرض في أحاديثه ومداخلاته ومؤلفاته شعراً ونثراً إلى الوجود العربي والإسلامي في إسبانيا، مصححاً الحقائق التاريخية حول مدى تأثير الحضارة واللغة العربية في الحضارة والنفسية والعقلية واللغة الإسبانية. وكان يكرر في العديد من المناسبات قائلاً: «بدون الثقافة العربية والإسلامية لا يمكن فهم إسبانيا». وهو نفس الرأي الصريح الذي كان يجاهر به الكاتب الإسباني الكبير الراحل خوان غويتيسولو. وتتضح وجهة نظر غالا أكثر من خلال رؤيته لبنية المدن الأندلسية وتكوينها الروحي، فيقول: إذا سُئلت ما هي الأندلس؟ لقلتُ إنها عصير غازي يساعد على هضم كل ما يُعطى لها حتى لو كان حجراً، فقد مرت من هنا مختلف الثقافات بكل معارفها وعلومها، إلا أن الثقافة العربية والإسلامية في إسبانيا كانت من أغنى الثقافات الإنسانية ثراءً وتنوعاً وتألقاً وإشعاعاً، فهي بحق منارة علم وحضارة وعرفان قل نظيرها في تاريخها الطويل. وكانت الإسبانية لغتين: لاتينية وعربية، لكن بعد الملوك الكاثوليك الذين تم الاحتفال بهم وباستلامهم لمدينة غرناطة، جاءت محاكم التفتيش القاسية والهمجية في أعقاب ما سُمّي بـ «حروب الاسترداد» التي كانت في الواقع حروباً للاستعباد والاستبداد والتي تركت جروحاً عميقة في الجسم الإسباني، هذه الجروح التي لم تلتئم حتى اليوم.
يستكمل أنطونيو غالا بحثه عن إجابة لسؤاله بأنه «خلال قراءاته المتنوعة العديدة، أو عند كتابته لأي مؤلف جديد حول الحضارة العربية، فإنه كان يكتشف كل يوم حقائق مثيرة تدعو للتفكير والتأمل والإعجاب. فأروع المعاني وأجمل الأشياء في إسبانيا جاءت من الحضارة العربية الإسلامية، بل إن أجمل المهن وأغربها وأدقها وأروعها، وكذلك ميادين تنظيم الإدارة والجيوش، الفلاحة، الملاحة، الطب، الاقتصاد، العمارة، البستنة والري، حتى المهن المتواضعة، كل هذه الأشياء التي نفخر بها نحن اليوم في إسبانيا، تأتي وتنحدر من العربية وحضارتها، وهذا لم يحدث من باب المصادفة أو الاعتباط، فالعرب والأمازيغ أقاموا في هذه الديار زهاء ثمانية قرون، وظللنا نحن نحاربهم ثمانية قرون لإخراجهم وطردهم من شبه الجزيرة الإيبيرية، فكيف يمكن للمرء أن يحارب نفسه؟ ذلك أن هذه الحضارة المتألقة كانت قد تغلغلت في روح كل إسباني، فبدون هذه الحضارة لا يمكن فهم إسبانيا، ولا كل ما هو إسباني، بل لا يمكننا أن نفهم حتى اللغة الإسبانية ذاتها، هذه الحقيقة تصدم البعض، إلا أنهم إذا أعملوا النظر، وتأملوا جيداً وملياً في هذا الشأن فلا بد أنهم سيقبلون بهذه الحقيقة، فالبراهين قائمة، والحجج دامغة في هذا القبيل ولا ريب».
ويمضي غالا في تصريحاته الجريئة قائلاً: «إن الذي حدث في إسبانيا ليس اكتشافاً أو استعماراً مثلما حدث في أمريكا، فالذي حدث هنا كان فتحاً ثقافياً جلياً، إنه شيء يشبه المعجزة التي تبعث على الإعجاب والانبهار اللذين يغشيان المرء بعد كل معجزة، فقد وصل العرب والبربر إلى إسبانيا وهم يحملون معهم ذلك العطر الشرقي العبق الفواح الذي كانت الأندلس تعرفه من قبل عن طريق الفينيقيين والإغريق، وصل العرب بذلك العطر الشرقي والبيزنطي، ووجدوا في الأندلس ذلك العطر الروماني، حيث نتج فيما بعد أو تفتق وانبثق عطر أو سحر جديد من جراء الاختلاط والتجانس، التنوع والتمازج الذي بهر العالم المعروف في ذلك الحين. لم يدخل العرب والأمازيغ البربر شبه الجزيرة الإيبيرية بواسطة الحصان وحسب، بل إنهم دخلوها فاتحين، مكتشفين، ناشرين لأضواء المعرفة وشعاع العلم والأدب والشعر والحكمة والعرفان، فقد كان كشفاً أو اكتشافاً ثقافياً خالصاً. هنا يكمن الفرق بين الذي ينبغي لنا أن نضعه في الحسبان للإجابة عن ذلك التساؤل الدائم: لماذا لم تلتئم القروح، ولم تندمل الجروح بعد في أمريكا اللاتينية حتى اليوم؟ إسبانيا اليوم تقف في وجه كل ما هو أجنبي وتنبذه وتصده، فالشعب الإسباني تجري في عروقه مختلف الدماء والسلالات، والأجناس والأعراق والإثنيات، ومع ذلك ما زالت إسبانيا تظهر اليوم بمظهر العنصرية وتدعي أنها براء من أي دم أجنبي».
ويشير غالا في سخرية مرة إلى أن «أي إسباني من مملكة قشتالة لم يكن في مقدوره أن يقوم بأي أعمال يدوية بارعة، كما لم يكن في إمكانه زراعة الأرض المترامية الأطراف أمامه، وهذا هو السبب الذي أفضى إلى اكتشاف أمريكا، أو ما سمي فيما بعد بالعالم الجديد. فجميع هؤلاء الذين لم يكونوا يحبون القيام بأي عمل كان عليهم أن يذهبوا وينتشروا في الأرض مكتشفين، وكان الإسبانيون شعباً محارباً، فهم يتدربون منذ ثمانمئة سنة، وكانوا باستمرار ينتظرون ويتحينون الفرصة المواتية للانقضاض على الغنائم بعد هذه الحروب الطويلة الضروس، ومن هنا ذهبوا بحثاً عن أرض بكر تعج بالغنى والثراء، والثروات، وكانت هذه الأرض هي أمريكا. إن إسبانيا في البلدان التي (غزتها) اتسمت بالعنف، والتنكيل، والتقتيل، والجبروت، والقهر، والغلظة، ولم تعتبر الشعوب فيها شعوباً مسيحية بالمعنى الصحيح للكلمة، وقد نزعت عن هذه الديانة كل صفة للرحمة والرأفة والشفقة والتسامح، وهكذا أصبحت الكاثوليكية اليوم في هذه الأصقاع النائية من العالم أبعد ما تكون عن رسالة السيد المسيح».
تجدر الإشارة في ختام هذا المقال إلى أن معظم هذه التصريحات حول الحضارة الإسلامية في الأندلس كان الكاتب والشاعر أنطونيو غالا قد أدلى بها قيد حياته خلال لقاء جمعه مع الباحث الأكاديمي المصري الدكتور خالد سالم، المتخصص في الدراسات الأندلسية. وقد حظي الدكتور السفير محمد محمد خطابي بشرف التعرف عليه في إسبانيا خلال عمله كمستشار ثقافي بسفارة المغرب في مدريد في الثمانينات من القرن الماضي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة