شبح تنظيم الدولة يطل برأسه مجدداً: تحديات التعافي في سوريا وغياب خطة حكومية واضحة


هذا الخبر بعنوان "خطر تنظيم الدولة هل يُطِل بِرأسِه؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يزال مشهد الخليفة وهو يخطب في مسجد الموصل، ومعه مشاهد حرق الناس في الأقفاص والتفجيرات والمفخخات وعناصر الحسبة، حاضراً بقوة في الذاكرة القريبة للسوريين. هذه الذاكرة التي تبعث على الخوف ولا يمكن محوها بتصريحات عابرة، فخطر تنظيم الدولة قد يطل برأسه من جديد في دولة تمر بمرحلة التعافي وتحتاج إلى أقصى درجات الحذر.
في عام 2014، كان تنظيم الدولة (داعش) يسيطر على مساحات واسعة تمتد من الموصل إلى الرقة السورية. وعلى مدى ثلاث سنوات من حكمه العابر للحدود بين سوريا والعراق، استطاع التنظيم تأسيس كيان يضم مؤسسات وتنظيمات داخلية، من الحسبة إلى أشبال الخلافة (الأطفال الذين كُلف بعضهم بمهام إعدام مصورة)، بالإضافة إلى الاستخبارات والكتائب النسائية وجيش الخلافة ودابق وعسكر الولايات وغيرها. قُدر عدد عناصر التنظيم وكوادره خلال حقبة السيطرة الكلية بعشرات الآلاف من المقاتلين، ناهيك عن ضحاياه ممن انتموا إليه وتأثروا بالفكر والعقيدة والتنشئة التي عمل عليها خلال فترة حكمه التي استمرت حتى عام 2017، ولم ينتهِ وجوده بنهاية تلك الفترة.
بعد حرب ضروس دُمر فيها قرابة 80% من محافظة الرقة السورية، أُزيح التنظيم عن النفوذ والسيطرة العسكرية على الجغرافيا الواسعة، لكن بقي لديه مئات وربما آلاف العناصر والكوادر، بعضهم في السجون وبعضهم خارجها. وطوال قرابة عشر سنوات من سيطرة التحالف الدولي بقيادة واشنطن بالتعاون مع قسد على المنطقة، لم تُتخذ أي إجراءات تُذكر على صعيد تفكيك البنية الفكرية والعقائدية للتنظيم، والتي بقيت موجودة وعمل التنظيم على توريثها وتعميمها بقدر استطاعته.
بالتالي، نحن أمام ملف لم يُعالج ولم ينتهِ بعد، ولا يمكن علاجه بالطريقة التجميلية التي تنكر وجوده وتحوله إلى ضحية. ورغم وجود ضحايا ومظلومية وسوء تعاطٍ وتعامل مع الحقوق والإنسان والأطفال، إلا أن هذه السردية تأتي في إطار الاختلاف والصراع السياسي وتبني مظلومية في إطار المواجهة السياسية لتكون حاملاً أساسياً وحاضناً شعبياً لها. لكن هذا لا يعني عدم وجود التنظيم، فلا يمكن محوه من الذاكرة القريبة للسوريين بجرائمه وانتهاكاته التي لا نظير لها، والتي لم توفر أحداً، فكل من اختلف عن جماعة “داعش” كان هدفاً مشروعاً لعناصره وكوادره.
لا يمكن معالجة هذا الملف بالمناكفة السياسية أو بتسجيل النقاط، ولا بوضع التنظيم في سياق خارج دوره ووظيفته وأفعاله التي ارتكبها في سوريا وما زال يرتكبها. وإنما بالواقعية والجدية المفرطة والمطلقة وبإدراك حجم الخطر. ففي السياسة، لا شك أن توسيع السيطرة على الجغرافيا هو انتصار للحكومة، لكن الجغرافيا أيضاً مسؤولية تشمل الخدمات والأمن والسلامة وحصر مصادر التهديد، وعلى رأسها “داعش”.
لكن ما هي خطة الحكومة للتعامل مع الملف الذي أصبح معظمه بين أيديها؟ الجواب هو أن الخطة توضع الآن ولم تكن جاهزة من قبل. حتى أكبر المسؤولين الذين تولوا هذا الملف على الأرض، بمن فيهم الوزراء السابقون في حكومة الإنقاذ، ليس لديهم إجابات حول الخطة. كل ما نراه حالياً هو إجراءات سريعة ومستعجلة، تظهر أشكالاً وأنماطاً من التحرك والتدخل في إخراج سجناء وإدارة سجون ومراجعة ملفات، وسردية إعلامية تقدم على عجل أيضاً، وكلها تدور حول المظلومية ويُستثنى منها الخطر وحتى التنظيم وتاريخه.
رغم أن “داعش” خلال عام 2025 وحده سجل حضوره وأثبت وجوده وتهديده في عدة مناسبات، من تفجير الكنيسة إلى المسجد وصولاً لحادثة تدمر التي استهدفت اجتماعاً بين الحكومة السورية والقوات الأميركية. وذلك على الرغم من أنه كان محاصراً نسبياً في جغرافيا محددة وبقايا عناصره محدودي الحركة بشكل كبير. هذا يعني أن الخطر كان وما زال موجوداً وسيتضاعف إذا امتلك عناصره حرية الحركة والتنقل دون رقيب في جغرافية سورية واسعة ومليئة بالأهداف للتنظيم وعناصره. ما يجعل الخطة أولوية على الإجراءات المستعجلة والمتسرعة قبل فهم ماذا نفعل وهل نحن نعرف ما نفعل، وهل ما نفعله آمن؟!
لا شك أن تولي السلطة السورية هذا الملف هو أفضل بكثير من أي طرف آخر، لسبب جوهري أنها تعرف كيف يمكنها أن تعالج الفكر والأيديولوجيا المتطرفة لدى عناصر التنظيم أكثر من أي طرف آخر، ويمكنها أن تحظى بقبول لدى العناصر دون غيرها ممن تعاملوا معهم خلال سنوات. وهذا بالتأكيد لا يحدث بيوم وليلة ولكن بتدخل تراكمي طويل الأمد. وربما عليها أن تبدأ من الأطفال الذين كانوا ضحايا التنظيم ومن ثم بيئة الاحتجاز، ويحتاجون لدعم ورعاية مركزة لكي تتم حمايتهم من الاستغلال لاحقاً من قبل التنظيم ولا يقعوا ضحاياه بسهولة مرة أخرى.
أي أن الجانب الإيجابي يكمن في أن السلطة السورية يمكنها التأثير الإيجابي في العناصر لمنعهم من تشكيل خطر على المجتمعات وعليها، لكن تبقى خطة التدخل هي الأهم والتي تحتاج أن تكون طارئة وعاجلة وجزء رئيسي منها على عاتق المؤسسة الدينية التي كان يجب أن تصل أولاً وتدخل أولاً. فالأولوية اليوم هي حصر المخاطر ومنع التدهور وإدارة الملف بعيداً عن التجاذبات والاستثمار السياسي، وكذلك الإنصاف ورفع الظلم عمن ظلم فعلياً، ونشر الوعي بين ضحايا أيديولوجيا التنظيم وتأهيلهم ليكونوا مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات وتنتهي حدودهم عند حدود الآخرين.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد