تردد روسي ومصالح متضاربة: هل يستفيد الكرملين من "مجلس السلام" المقترح من ترامب؟


هذا الخبر بعنوان "هل يصبّ “مجلس السلام” في مصلحة روسيا؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
استعجل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإعلان عن موافقة نظيره الروسي فلاديمير بوتين على الانضمام إلى "مجلس السلام". إلا أن بوتين سارع إلى نفي ذلك، وإن كان نفياً غير قاطع، حيث أبلغ مجلس الأمن الروسي أن وزارة الخارجية لا تزال تدرس المقترح وستقدم ردها في الوقت المناسب. يفسر هذا التردد الروسي إلى حد كبير عدم وضوح المصالح المحتملة من قبول هذه الدعوة.
من بين المكاسب المحتملة لموسكو، قد يكون الانضمام إلى المجلس الجديد بمثابة تأكيد لتجاهل ترامب لعمل الأمم المتحدة وربما لشرعيتها. فبعد أن صرح الرئيس الأميركي في البداية بأن الهيئتين ستتعاونان في جهود السلام العالمية، تراجع عن هذا التصريح لاحقاً. يرى البعض أن مجلس ترامب يزعزع صورة الهيئة الدولية التي تُعد من إنجازات الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. لطالما اشتكى بوتين من "غياب العدالة" في النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وإذا ما صححت الولايات المتحدة هذا الأمر، حتى لو بشكل غير مقصود، فإن خطوة ترامب ستكون مرحباً بها نظرياً. علاوة على ذلك، لا يزال بوتين بحاجة إلى أن تزيد الولايات المتحدة ضغطها على أوكرانيا، التي ترفض التنازل عن الأراضي التي يعجز الجيش الروسي عن احتلالها في دونباس، مما يجعل مهمة روسيا هناك شاقة ومكلفة للغاية. وبما أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رفض الانضمام إلى المجلس بسبب احتمال انضمام روسيا، فإن قبول بوتين للدعوة قد يكسبه ود ترامب بشكل أكبر. وعلى نطاق أوسع، ستتاح للروس فرصة لزيادة الشرخ الغربي، خاصة مع رفض دول حليفة تقليدياً للولايات المتحدة، مثل المملكة المتحدة وفرنسا، الانضمام إلى المجلس.
لكن عند هذا الحد، تتوقف غالبية المنافع التي قد تجنيها روسيا من قبول الدعوة الأميركية. فخلال الحملة الانتخابية الأميركية الماضية، كرر بوتين تفضيله فوز الرئيس السابق جو بايدن بولاية ثانية، مشيراً إلى أن سلوكه "متناسق ويمكن التنبؤ به". وفي جوهرها، كانت تصريحات بوتين دعماً ضمنياً لترامب، على الأقل من خلال حرمان خصومه الديمقراطيين من اتهامه بمحاباة روسيا. ومع ذلك، عندما وصل ترامب إلى الرئاسة، اختبرت روسيا بالفعل تقلبات السلوك الرئاسي الأميركي.
كان من المفترض أن يهدف "مجلس السلام" إلى إيجاد حل نهائي للمأساة في غزة، لكنه تحول إلى هيئة معنية بإنهاء التوترات حول العالم. يبقى السؤال الكبير بالنسبة لروسيا هو ما إذا كانت جميع هذه الملفات ستحظى باهتمام متساوٍ، أم أن الأولويات ستُحدد وفقاً لما يناسب رئيس المجلس. ورغم أن سلوك ترامب أضر بحلفائه الغربيين، إلا أنه لم يكن أقل ضرراً على روسيا نفسها. فقد أضر الكرملين كثيراً بضرب حلفاء موسكو من إيران إلى فنزويلا، وفرض رسوم جمركية ثانوية على الهند بسبب شرائها النفط الروسي. بالإضافة إلى ذلك، إذا كان ضم غرينلاند بالقوة سيقسم الغرب، فإنه سيشكل بالتأكيد خطراً مباشراً على الأمن القومي الروسي، خاصة إذا وسعت أميركا بصمتها العسكرية في الجزيرة، وهو أمر محتم. والأسوأ من ذلك، إذا توصل ترامب إلى تسوية بشأن الجزيرة، فستكون روسيا الخاسر الأكبر.
هل يمكن أن يكون الانضمام إلى المجلس وسيلة لمأسسة سلوك ترامب أو على الأقل لفهمه؟ هناك أسباب عديدة للتشكيك في ذلك. لا ترى روسيا فائدة كبيرة في الانضمام إلى مجلس عالمي يظل ترامب رئيساً له مدى الحياة. ففي سياق تصحيح "الخلل" في النظام الدولي، يجب أن تكون روسيا قطباً مساوياً للأميركيين لا تابعاً لهم. وقد صرح دبلوماسي روسي متقاعد لصحيفة "صنداي تايمز" البريطانية قائلاً: "أمضينا أعواماً نجادل بأن لدينا وضعاً مميزاً في العالم، لكن أميركا تعرض علينا فرصة المساهمة في مشروع غرور آخر لترامب". ومن المحتمل جداً أن تنتظر روسيا موقف شريكها الأكبر، الصين، من الانضمام إلى المجلس قبل اتخاذ قرارها. فمن المرجح أن ترفض بكين الدعوة، نظراً لتأكيدها المستمر على أهمية الأمم المتحدة كهيئة ناظمة للخلافات الدولية. وقد وصفت صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية الأمم المتحدة بأنها "المنظمة الأكثر تمتعاً بالسلطة التي بنتها البشرية بعد تحملها ويلات الحرب وتقديمها تضحيات هائلة لتجنب الصراع وضمان السلام".
حتى لو افترضنا أن انضمام موسكو إلى المجلس سيجلب لها اهتماماً أميركياً أكبر بمطالبها في أوكرانيا، فإن ترجمة هذا الاهتمام إلى إكراه أوكرانيا على قبول الشروط الروسية لا يزال أمراً غير مؤكد. وقد يفقد "مجلس السلام" جاذبيته، خاصة فيما يتعلق بالقضايا غير الفلسطينية، بعد فترة من الزمن، بسبب عدم انضمام الصين وفرنسا والمملكة المتحدة إليه. وهذا يسهل على روسيا مهمة رفض الدعوة، لتكون بذلك القوة الرابعة في مجلس الأمن التي تتخذ هذا الموقف.
باختصار، تبدو العوائق أمام انضمام موسكو إلى "مجلس السلام" عديدة، وهو ما يفسر جزئياً ترددها في قبول الدعوة. ومع ذلك، لا يستبعد أن تجد روسيا حوافز كافية للتغلب على هذه العراقيل، وهو ما ستكشفه الأيام القادمة. لكن حتى الآن، يبدو أن هذه المهمة ليست سهلة.
سياسة
منوعات
سياسة
سياسة