الصين ترسم ملامح نظام اقتصادي عالمي جديد: طريق الحرير القطبي بوابة بكين نحو التعددية


هذا الخبر بعنوان "طريق الحرير القطبي: الصين تتمدد عبر النظام متعدد الأقطاب" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم التوترات الجيوسياسية العالمية، أعادت تصريحات الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا الأسبوع التأكيد على رؤية بكين لعالم اقتصادي جديد يرتكز على التعددية والانفتاح، ويتمركز حول الأمم المتحدة والعولمة الاقتصادية. هذا الموقف، الذي أُعلن خلال استقباله لرئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو في بكين يوم الثلاثاء، لا يمثل مجرد موقف دبلوماسي، بل يترجم إلى استراتيجية اقتصادية شاملة تمتد من الشراكة الأوروبية إلى أعماق القطب الشمالي.
وأوضح شي جينبينغ أن الصين تسعى إلى «تعزيز عالم متعدد الأقطاب قائم على العولمة الاقتصادية»، مشدداً على ضرورة أن يظل النظام الدولي مستنداً إلى مبادئ الأمم المتحدة، لا على تحالفات مغلقة أو مسارات موازية. يأتي هذا التصريح في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مبادرة لإنشاء «مجلس سلام»، وهي خطوة فُسرت على أنها محاولة لإعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم المصالح الأميركية الضيقة. من جانبها، تسعى الصين لتقديم نفسها كقوة استقرار اقتصادي عالمي، من خلال تعزيز الشراكات الثنائية والتكتلات التجارية القائمة، والابتعاد عن سياسات العزلة أو المواجهة.
من أبرز الملفات الاقتصادية ذات البعد الاستراتيجي التي طُرحت خلال اللقاء الصيني الفنلندي، كان الاهتمام الكبير بالقطب الشمالي. تسعى الصين، التي تصف نفسها بـ«دولة شبه قطبية»، إلى لعب دور محوري في تطوير «طريق الحرير القطبي»، وهو ممر ملاحي جديد يُتوقع أن يُحدث تحولاً جذرياً في التجارة العالمية. ومع انحسار الغطاء الجليدي بفعل التغير المناخي، أصبح القطب الشمالي يمثل ممراً تجارياً يختصر زمن العبور بين آسيا وأوروبا إلى النصف تقريباً، مما يعزز كفاءة سلاسل الإمداد ويقلل التكاليف اللوجستية بشكل كبير.
تطمح الصين لأن تكون جزءاً فاعلاً في هذا التحول، عبر الاستثمار في الموانئ القطبية، والتعاون مع دول مثل فنلندا، التي يشكل ثلث أراضيها جزءاً من المنطقة القطبية. ويأتي انفتاح الصين على فنلندا، وزيارات زعماء غربيين آخرين مثل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في وقت يتزايد فيه حذر الدول الأوروبية من السياسات الاقتصادية المتقلبة للولايات المتحدة. في هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الصينية كمحاولة لتعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بوصفه موازناً تجارياً واستثمارياً، خاصة بعد التوترات التي رافقت الحرب التجارية مع واشنطن، وتضييق القيود على التكنولوجيا والتجارة الثنائية.
خلال اللقاء الأخير مع أوربو، رحبت الصين بانخراط الشركات الفنلندية في السوق الصينية، مشجعة على تعزيز التعاون في مجالات تشمل التحول الطاقي، والزراعة، والغابات، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالاقتصاد الأخضر الذي تتبناه فنلندا ضمن استراتيجيتها الوطنية. ورغم الطابع الاقتصادي لهذا التقارب، لا تغيب التحديات الجيوسياسية عن المشهد؛ إذ تشعر فنلندا وبعض شركائها الغربيين بالقلق من موقف الصين المحايد من الحرب الروسية في أوكرانيا، وسط اتهامات بأنها تمول بشكل غير مباشر المجهود الحربي الروسي من خلال استمرار التجارة. يخلق هذا التوتر حالة من الازدواجية الاقتصادية؛ فمن جهة، ترغب الدول الغربية في الانفتاح على السوق الصينية العملاقة، ومن جهة أخرى، تُقيدها الحسابات الأمنية والتحالفات الاستراتيجية مثل حلف «الناتو».
التحول في موقف الصين واضح، فمن الاعتماد الكامل على «مبادرة الحزام والطريق» التقليدية، إلى توسيع نطاق الحضور الاقتصادي من خلال أدوات جديدة، مثل «طريق الحرير القطبي»، و«تعددية اقتصادية تشاركية» تستهدف دول الشمال، والاقتصادات التكنولوجية، والأسواق الخضراء. تعكس تصريحات شي جينبينغ الأخيرة ونتائج زيارته مع أوربو نموذجاً لهذا التحول، حيث يتم دمج التنمية الاقتصادية، والتوازن الجيوسياسي، والانفتاح التجاري ضمن استراتيجية موحدة، تجعل من الصين فاعلاً اقتصادياً أكثر مرونة وتكيفاً.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بإعادة تعريف النظام العالمي وفق تصوراتها الخاصة، تسعى الصين إلى ترسيخ دورها بوصفها ركيزة للنظام الدولي القائم على المؤسسات متعددة الأطراف، والانفتاح الاقتصادي. ومع انفتاح أبواب القطب الشمالي، وازدياد الرغبة الأوروبية في تنويع شراكاتها التجارية، يبدو أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مشهد أكثر تعددية، تلعب فيه بكين دور المهندس الاقتصادي الحذر… ولكن شديد الطموح.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد