الشرق الأوسط على صفيح ساخن: حشد عسكري أميركي غير مسبوق وإيران تستعد لـ«المواجهة المفتوحة»


هذا الخبر بعنوان "واشنطن تحشد… وطهران تتحضّر لـ«المواجهة المفتوحة»" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في لحظة إقليمية بالغة الهشاشة، حيث تتشابك حسابات الردع مع مخاطر الانفلات، كثّفت الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة من حضورها العسكري في الشرق الأوسط. هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن مسار التصعيد المفتوح مع إيران، ولا عن الضغوط الإسرائيلية المستمرة لدفع واشنطن نحو حسم عسكري «طال انتظاره». ومع ذلك، فإن هذا الحشد، على ضخامته ونوعيته، لا يعكس حتى الآن قراراً أميركياً نهائياً بشن حرب شاملة، بقدر ما يشير إلى إدارة دقيقة للتصعيد، تُبقي كل الخيارات مفتوحة من دون الوصول إلى «نقطة اللاعودة».
جاءت التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة في سياق مُتدرّج، بدأ بتكثيف الوجود البحري والجوي، ثم انتقل إلى مناورات واستعدادات عملياتية واسعة النطاق. تزامن ذلك مع تصعيد سياسي وإعلامي تقوده إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وحاشيته في المنطقة، بلغ حدّ التلويح العلني بإسقاط النظام الإيراني، وتهديد القائد الأعلى في إيران السيد علي خامنئي بصورة مباشرة وغير مسبوقة. ورغم ذلك، تبدو واشنطن، حتى الآن، أكثر ميلًا إلى توظيف القوة كأداة ضغط سياسي، لا كمدخل لحرب فورية ذات كلفة غير محسوبة.
الأرمادا الأميركية: استعراض قوة أم تمهيد لضربة؟
خلال الأسابيع الماضية، واصلت الولايات المتحدة نقل أصول عسكرية نوعية إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM). شمل هذا النقل حاملات طائرات، مدمّرات صواريخ، غواصات نووية، أسراباً جوية متقدّمة، ومنظومات دفاع جوي، فضلاً عن أصول استخبارية ولوجستية كثيفة. وقد أطلق ترامب بنفسه على هذا الحشد تسمية «الأرمادا»، في استعارة تاريخية ترمز إلى أكبر مواجهة بحرية بين إنكلترا وإسبانيا، مبرّراً الخطوة بأنها تهدف إلى «منع انزلاق المنطقة نحو حرب أوسع».
يشمل هذا الانتشار منصات إطلاق صواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، المنتشرة على عدد من المدمّرات والغواصات النووية. ففي ما يتعلّق بالمدمرات، تتوزّع الصواريخ على سفن من طرازات مختلفة، أبرزها: «ميتشر»، «ماكفول»، «أوسكار أوستن»، «روزفلت»، «بولكلي»، و«بول إغناتيوس». كما تشارك في هذا الانتشار غواصتان نوويتان، بما يرفع إجمالي عدد صواريخ «توماهوك» الأميركية الجاهزة للاستخدام في المنطقة إلى نحو 358 صاروخاً.
ويضاف إلى ذلك ما تحمله مجموعة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» الضاربة، التي تضم بدورها قدرات هجومية كبيرة، لترتفع الحصيلة الإجمالية للصواريخ ضمن هذه المجموعة إلى نحو 454 صاروخاً. وترافق الحاملة ثلاث مدمّرات هي: «فرانك إي. بيترسن»، «سبروانس»، و«مايكل مورفي»، إضافة إلى تسعة أسراب مقاتلة متمركزة على متن الحاملة. ولا يقتصر الحضور البحري الأميركي على ذلك، إذ تنتشر في المنطقة سفن دعم وقيادة ونقل تابعة للبحرية الأميركية.
أمّا على المستوى الجوي، فتضم القوات الأميركية المنتشرة حالياً سربين من طائرات «إف-35»، وثلاثة أسراب من طائرات «إف-15 إي»، وسرباً واحداً من طائرات «إف-16»، إضافة إلى سرب من طائرات «إيه-10». وتُستكمل هذه المنظومة بأصول احتياطية واستخبارية ولوجستية واسعة، تشمل طائرات «بي-8 إيه بوسيدون» للدوريات البحرية، و«سي-17 إيه غلوب ماستر» للنقل الاستراتيجي، وطائرات التزويد بالوقود «كي سي-135 ستراتوتانكر» و«كي سي-46 إيه بيغاسوس»، إضافة إلى «كي سي-130 جيه سوبر هيركوليز»، ومُسيّرات الاستطلاع البعيدة المدى «إم كيو-4 سي ترايتون».
بالتوازي، شهدت السواحل الإيرانية نشاطاً كثيفاً لسلاح الجو الأميركي، حيث تكثّف مُسيّرات «MQ-4C Triton» الاستراتيجية، المتخصّصة في الاستطلاع البعيد المدى، ما يعكس مستوى عالياً من المراقبة الاستخبارية المستمرة.
ما أعلنته قيادة القوات الجوية المركزية الأميركية في 25 كانون الثاني 2026 عن تنفيذ «تمرين استعداد متعدّد الأيام» يهدف إلى اختبار القدرة على نشر وتوزيع ودعم القوة الجوية القتالية في كامل نطاق مسؤولية القيادة المركزية، بالتزامن مع وصول مجموعة حاملة الطائرات «لينكولن»، يبقى مرهوناً بالتطورات المتسارعة في المنطقة، فقد تتحوّل هذه المناورة إلى هجوم عسكري مباغت وغير مسبوق، يتشابه ببدايته مع هجوم حزيران في الحرب التي استمرت 12 يوماً.
وقالت القيادة إن التمرين صُمّم للتحقق من إجراءات النقل السريع للأفراد والطائرات، والعمليات المنتشرة في مواقع الطوارئ، والدعم اللوجستي المنخفض البصمة، والقيادة والسيطرة المتكاملة المتعددة الجنسيات على مسرح عمليات واسع. ورغم حساسية التوقيت، نقل موقع «ذا أفيشنست» العسكري المتخصّص أن مثل هذه التمارين باتت شائعة، وأن ربطها تلقائياً باستعدادات لهجوم وشيك على إيران يُعد استنتاجاً متسرّعاً، وإن كان التدريب على هذه السيناريوهات قد أثبت جدواه سابقاً، ولا سيما بعد عملية «مطرقة منتصف الليل» في حزيران 2025.
صباح الأربعاء 28 كانون الثاني الحالي، رُصدت طائرة الاستطلاع الأميركية من طراز «RC-135V Rivet Joint» وهي تغادر قاعدة في بريطانيا باتجاه الشرق الأوسط، في ما يُعتبر «أكبر مؤشر عملياتي» إلى احتمال تنفيذ عمل عسكري واسع النطاق في المنطقة. وبحسب مصادر متقاطعة، فإن هذه الطائرة «لا تتحرّك إلا قبل الضربات الكبرى»، نظراً إلى طبيعة مهامها المتقدّمة في جمع المعلومات الاستخبارية على مستوى مسارح العمليات.
وتتولّى الطائرة مهام «المسح الإلكتروني» لتحديد مواقع الدفاعات الجوية الإيرانية، خصوصاً في حال كانت المواقع قد تغيّرت خلال الساعات الأخيرة، ما يشير إلى أن واشنطن تسعى إلى تحديث بنك أهدافها بدقّة قبل أي تحرّك محتمل. تحريك هذا السلاح الاستخباري المتطور قد يشكل مؤشّراً جدياً إلى تصعيد مرتقب أو على الأقل استعداد أميركي لفرض سيناريو ردعي تجاه إيران.
استعداد لكل الاحتمالات
وفقًا للمصدر نفسه، تبقى «نوايا واشنطن غير واضحة»، إذ يبدو أن المؤسسة العسكرية «تهيّئ نفسها لكل السيناريوهات»، في انتظار قرار سياسي لم يُحسم بعد. فالحرب على إيران، بخلاف الحملات السابقة في المنطقة، ليست خياراً عسكرياً تقنياً فحسب، بل هي قرار استراتيجي عالي الكلفة، يحمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة، ويضع واشنطن أمام سؤال جوهري: ما الهدف السياسي النهائي؟ وكيف يمكن إنهاء أي مواجهة محتملة من دون الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد؟
في المقابل، لا تقف إيران موقف المتلقّي السلبي. فطهران، اختارت مسار رفع الجاهزية الدفاعية بشكل مدروس ومُتدرّج، من دون الانجرار إلى خطوات استفزازية مباشرة. وبعد إدخال منظومات «حائل» للدفاع الجوي إلى الخدمة الميدانية، انتقل الحرس الثوري إلى مرحلة أكثر حساسية عبر نشر رادارات إنذار مبكر، أبرزها رادار «Vostok-1» البيلاروسي، القادر على كشف الأهداف الجوية لمسافة تصل إلى 360 كلم وعلى ارتفاعات تصل إلى 30-35 كلم، ما يمنح شبكة الدفاع الجوي الإيرانية قدرة أوسع على الرصد المبكر والتعامل الاستباقي مع أي اختراق.
وفي رسالة لا تخلو من البعد الردعي، نشر «الحرس الثوري» مقطع فيديو قريباً جداً لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، مرفقاً بتعليق يقول: «لا فائدة من التخفّي. نحن نعرف مكانكم، ومسيّراتنا الانتحارية تستطيع الوصول إليكم قبل أن تقلع طائراتكم». وأكّد مسؤول عسكري في مقر «خاتم الأنبياء» المركزي، في معرض تعليقه على وجود حاملات الطائرات الأميركية والمعدات العسكرية في المنطقة، أن البيئة البحرية المحيطة بإيران «تخضع تماماً لسيطرة القوات المسلحة»، لافتاً إلى أن «تكديس القوات والمعدات من خارج المنطقة في مثل هذه البيئة لن يكون رادعاً، بل سيزيد من ضعفها ويجعلها أهدافاً سهلة المنال». تعكس هذه الرسالة ثقة إيرانية متزايدة بقدرات الحرب غير المتماثلة، ولا سيما في مجال المُسيّرات والصواريخ الدقيقة.
هل الحرب حتمية أم أن باب التفاوض لا يزال مفتوحاً؟
رغم الكثافة غير المسبوقة للتحشيد العسكري، يبقى انزلاق الوضع نحو مواجهة شاملة أمراً مستبعداً في المدى المنظور، على الأقل وفق المؤشرات السياسية الراهنة. فالقنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، ولو بصورة غير مباشرة، والتصريحات الصادرة من الجانبين تحمل إشارات مزدوجة تجمع بين التهديد والاستعداد للتفاوض.
ترامب قال إن «أسطولاً قوياً في طريقه إلى المنطقة»، معرباً عن أمله في «ألا يضطر لاستخدامه»، فيما نقل موقع «أكسيوس» عنه تأكيده أن «الدبلوماسية لا تزال خياراً مطروحاً مع إيران». وفي طهران، صرّح الرئيس مسعود بزشكيان بأن تهديدات واشنطن تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة، مؤكداً ترحيبه بأي مسار يمنع الحرب، وذلك خلال اتصال مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بحسب وكالة «إيرنا». كما شدّدت المتحدّثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، على أن طهران لا تزال تسعى إلى تسوية دبلوماسية تحفظ مصالحها القومية والاستقرار الإقليمي، رغم ما وصفته بـ«النهج العدائي» الأميركي.
غير أن بقاء خيار الحرب مطروحاً لا يمكن إنكاره. فإيران، رغم قدراتها الدفاعية المتنامية، تواجه هامش مناورة محدوداً أمام التفوّق العسكري الأميركي، في حين تمتلك واشنطن خيارات أوسع، لكنها مُقيّدة باعتبارات السياسة الداخلية، وحسابات الحلفاء، ومخاطر توسّع النزاع ليشمل ساحات متعددة.
محور المقاومة يعلن الجهوزية
في هذا السياق، برزت مواقف واضحة من قوى محور المقاومة، أعلنت فيها استعدادها للوقوف إلى جانب إيران في حال تعرّضها لعدوان. فقد أكّد الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أن استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي «اغتيال للاستقرار في المنطقة والعالم»، مشدّداً على أن الحزب «ليس على الحياد»، وأنه سيختار في حينه شكل تدخّله.
وفي العراق، دعت «كتائب حزب الله» وأنصار «قوى المحور» إلى الاستعداد لمواجهة إقليمية شاملة، محذّرة من أن الحرب على إيران «لن تكون نزهة». كما أعلنت منظمة «بدر» موقفاً مماثلاً، معتبرة أن ما يجري «معركة مصيرية» لا مكان فيها للحياد. أمّا في اليمن، فقد أكّد مصدر عسكري في صنعاء أن حركة «أنصار الله» لن تسمح باقتراب أي بوارج أو حاملات طائرات أميركية من البحرين الأحمر والعربي، معتبراً إياها تهديداً مباشراً، وكاشفاً عن رفع حالة التأهب القتالي إلى أعلى مستوى.
نقاط ضعف مكشوفة في البحرية الأميركية
في ختام المشهد، يلفت تحليل نشره موقع «فوكس نيوز» إلى ما وصفه بـ«نقاط ضعف البحرية الأميركية»، محذّراً من أن الطائرات المُسيّرة الإيرانية تشكّل تهديداً حقيقياً للأصول البحرية العالية القيمة، بما فيها حاملات الطائرات. ويشير التحليل إلى أن قدرة إيران على إطلاق أعداد كبيرة من المُسيّرات المنخفضة الكلفة بشكل منسّق قد تؤدّي إلى إغراق أنظمة الدفاع التقليدية، وأنه في حال إطلاق مئات المُسيّرات خلال فترة وجيزة، فإن اختراق بعض الدفاعات يصبح شبه حتمي، ما يجعل السفن الأميركية أهدافاً مغرية في أي مواجهة مفتوحة.
بين الردع المتبادل، والتصعيد المحسوب، وإشارات التفاوض المتردّدة، يقف الإقليم على حافة دقيقة. فالحرب ليست خياراً مُفضّلاً لأي من الأطراف، لكنها تظل احتمالاً قائماً ما دامت معادلة القوة تُستخدم كورقة ضغط سياسية. وفي هذا الفراغ بين الاستعراض والقرار، تُدار واحدة من أخطر لحظات الشرق الأوسط.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة