الشفافية: درس من قصة الخال والورثة إلى إدارة شؤون الدولة


هذا الخبر بعنوان "الشفافية… خالك الذي سرق ورثة أمك" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد أيام قليلة من وفاة جد سليم، جمع خاله أخواته النساء وأبلغهن بحصصهن من ميراث المرحوم الموجود في مدخرات خزانته. قوبل إعلانه بردود فعل غاضبة؛ صرخت إحداهن مستنكرة، وبصقت الثانية في وجهه، بينما دعت الثالثة عليه. وسرعان ما تدخلت زوجة الخال، مهاجمةً إياهن انتقاماً لكرامة زوجها الذي تحول في نظر أخواته إلى "الشفافية خالك سرق ورثة أمك".
يكشف سناك سوري – بلال سليطين أن خال سليم كان قد دخل بمفرده إلى غرفة المرحوم (جد سليم) وتفقد محتويات الخزانة، حيث عثر على 10 آلاف دولار. قام بتوزيع هذا المبلغ بالتساوي على أربعة أشخاص، بحيث حصل كل منهم على 2500 دولار، بالإضافة إلى مقتنيات أخرى للجد وزعها بين أخواته بصفته الأكبر.
ارتكب الخال خطأين جوهريين وواضحين زعزعا الثقة بين الأطراف. أولهما أنه قرر فتح الخزانة وحيداً دون حضور باقي أخوته، وثانيهما أنه لم يعلن لهم صراحة عن محتويات الخزانة، بل اتخذ قراره منفرداً وبشكل وصائي بتوزيع التركة. ببساطة، الشفافية لا تكتمل بمجرد النزاهة، بل تتطلب الوضوح والمساءلة.
على مستوى الحوكمة وإدارة شؤون الدولة، يحتاج المواطنون إلى معرفة ما تم فعله، وكيف تم، ولماذا، بالإضافة إلى حق السؤال والمراجعة والمشاركة.
افتقد الخال في هذه القصة "للشفافية"، فالعملية لم تقم على الوضوح ولم تكن تشاركية بين أفراد الأسرة. ورغم نزاهتها الظاهرية، إلا أنها أدت في المحصلة إلى مشكلة وفقدان ثقة نشأ على إثرها نزاع.
وبعيداً عن قصص الميراث العائلي التي قد تتضمن الاحتيال أو عدم الاعتراف بالحقوق، فإن العبرة في قصة خال سليم تكمن في أهمية الشفافية. الشفافية لا يكفيها أن تكون نزيهاً فقط، بل أن تكون واضحاً وقابلاً للمساءلة.
عندما تعلن وزارة الطاقة السورية، على سبيل المثال، عن إطلاق مشروع مائي حيوي في ريف حماة الشمالي، فإن هذا الإعلان وحده لا يكفي. المطلوب هنا هو إعلان تكلفة المشروع، مدة تنفيذه، الجهة المنفذة، كيفية اختيارها، ولماذا تم اختيار هذا المشروع دون غيره. هذا ليس تشكيكاً بالمشروع أو موثوقيته، بل هو إجراء يهدف إلى منع التشكيك وزعزعة الثقة، تماماً كما حدث مع "خال سليم".
من حق كل مواطن الحصول على المعلومة، وهو حق من حقوق الإنسان تشير إليه المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عبر "التماس الأنباء". وواجب الحكومة أن تتيح للمواطن هذا الوصول عبر تقديم المعلومات كاملة وتوفير منصات رسمية للاطلاع على المعلومات، العقود، الاستثمارات، والقرارات.
عندما تغيب الشفافية، تغيب العدالة ويتولد الشك. فعندما يُعين أخ وزير مديراً لمؤسسة حكومية، أو ابن وزير مسؤولاً عن ملف ما ضمن السلطة التنفيذية، من حق المواطن أن يعرف لماذا تم اختياره، وما هي كفاءاته، ولماذا هو وليس غيره. ومن حق المعيّن أيضاً ألا يوضع في موضع الشك بكفاءاته التي ربما يمتلكها أو لا يمتلكها.
العمل العام وقضايا الشأن العام ليست صندوقاً أسوداً. العمل الحكومي هو عمل عام وشأن عام لجميع المواطنين، ويجب الكشف عنه كل يوم، وليس فقط عند سقوط نظام لنكتشف ما كان يفعله وكأنه صندوق أسود لا يفتح إلا بسقوط الطائرة.
كذلك، نقرأ عشرات قرارات فصل الموظفين/ات، وفي الوقت نفسه نجد أنه يتم تعيين موظفين/ات في نفس المؤسسات التي تشهد عمليات الفصل. دون الإجابة على سؤال لماذا تم تعيين هؤلاء دون غيرهم وماذا لديهم ولم يكن لدى المفصولين، من حق هؤلاء المعيّنين ألا يكونوا في دائرة الشبهة أمام زملائهم في العمل وأمام الناس. وهذا يتحقق بالشفافية عندما يتم الإعلان عن كيفية إجراء المسابقة، والمعايير المتبعة، وكيف حققها من تم اختيارهم، وكيف لم يحققها من تم استبعادهم. بذلك، تُحمى مؤسسات الدولة، ويُحمى الناجحون في المسابقة، ويُحمى حق المواطنين في المعرفة، وتتحقق العدالة للجميع: مواطنين، موظفين، ومؤسسات.
العمل العام وقضايا الشأن العام ليست صندوقاً أسوداً، والعمل الحكومي هو عمل عام وشأن عام لجميع المواطنين، ويجب الكشف عنه كل يوم. الثقة لا تُبنى بالنوايا الحسنة، والسمعة الطيبة تتسخ وتفوح رائحتها بغياب الوضوح والمساءلة.
عندما يكون لدى الحكومة استثمارات بمليارات الدولارات، وتمنح منشآت ومعامل ومؤسسات حكومية لمستثمرين محددين، وتوقع عقوداً مع شركات معينة، من حق المواطن أن يعرف كيف جرت هذه العملية؟ لماذا هذه الشركة؟ ولماذا هذه المؤسسة؟ وما هي القيمة والشروط، وغيرها من المعلومات ضمن إطار الشفافية التي تحمي المواطن والدولة على حد سواء.
فعندما يعرف المواطن الأسباب والنتائج وتكون صادقاً معه في تقديمها، سيكون شريكاً في النجاح، وبدلاً من أن يكون عامل تشكيك وتعطيل، يكون عامل نجاح وتثقيل. وكذلك المسؤول، بدلاً من أن يشعر أنه فوق الرقابة المجتمعية، يشعر أنه تحتها، وبالتالي تحميه هذه الرقابة من الفساد أو على الأقل تجعله يفكر ألف مرة قبل أن يسلك طريق الفساد.
الشفافية هي أنه في حال قرر خالك إدارة توزيع الورثة، يعرف الجميع كيف وزعها ولماذا، أي أن يعرف المواطن من اتخذ القرار وكيف ولماذا هو أصلاً اتخذه، فالثقة لا تبنى بالنوايا الحسنة، والسمعة الطيبة تتسخ وتفوح رائحتها بغياب الوضوح والمساءلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة