سوريا بعد عام من مؤتمر انتصار الثورة: تحولات جذرية في الحكم والاقتصاد والدبلوماسية


هذا الخبر بعنوان "موقع الإخبارية السورية" نشر أولاً على موقع قناة الإخبارية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور عام على محطة تاريخية فارقة في مسيرة سوريا الحديثة، تُستحضر الذكرى السنوية الأولى لمؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية، الذي لم يكن مجرد احتفال بالنصر، بل إعلاناً رسمياً لإنهاء حقبة النظام البائد التي استمرت عقوداً من الإجرام، وفتح آفاق لمسار انتقالي جديد أعاد صياغة مفهوم السلطة، وحدود الدولة، وتحديد أولويات المرحلة القادمة. وقد اجتمعت قوى الثورة السورية المسلحة في القصر الرئاسي بدمشق بتاريخ 29 كانون الثاني 2025، وذلك بعد أقل من شهرين على انهيار منظومة الحكم البعثية في 8 كانون الأول 2024. وقد حمل هذا المؤتمر دلالات تتجاوز زمانه ومكانه، ليؤسس لأول إطار سياسي جامع لمرحلة ما بعد السقوط، وينقل البلاد من إدارة المعركة إلى إدارة الدولة. ولم يكن المؤتمر حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل جاء استجابة مباشرة للفراغ الدستوري والمؤسساتي الذي خلفه انهيار النظام البائد، ساعياً إلى ترسيخ مرجعية سياسية موحدة، وتوحيد القرار العسكري، ووضع الأسس الأولى لمرحلة جديدة تقوم على تفكيك إرث النظام البائد وإعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة وطنية.
في أعقاب المؤتمر، أعلن المتحدث باسم قيادة العمليات العسكرية حسن عبد الغني عن تعيين القائد آنذاك أحمد الشرع رئيساً للجمهورية العربية السورية للمرحلة الجديدة. كما أُعلن يوم 8 كانون الأول يوماً وطنياً. وشملت القرارات الهيكلية إلغاء دستور 2012، وتعليق جميع القوانين الاستثنائية، وحل مجلس الشعب ولجانه، وحل جيش وأجهزة أمن النظام البائد، ودمج جميع الفصائل المسلحة والهيئات المدنية ضمن مؤسسات الدولة، مع إنشاء جيش وأجهزة أمن وطنية جديدة. وخلال الشهر الأول، شرع السيد الرئيس أحمد الشرع في تحديد أولويات المرحلة الجديدة، التي تضمنت سد الفراغ في السلطة، والحفاظ على السلم الأهلي، وبناء مؤسسات الدولة، وتنمية الاقتصاد، واستعادة مكانة سوريا الإقليمية والدولية. وقد شكلت هذه الأولويات لاحقاً الإطار العام لجميع الإصلاحات الداخلية والخارجية خلال العام التالي.
في آذار 2025، صادق الرئيس الشرع على الإعلان الدستوري، مؤسساً بذلك قاعدة دستورية جديدة للمرحلة الانتقالية. وبدأت الحكومة الجديدة في تنفيذ إصلاحات واسعة النطاق، كان أبرزها الانتخابات التشريعية في تشرين الأول، واتفاقيات دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا بتاريخ 10 آذار 2025، ضمن مسار توحيد مؤسسات الدولة. وشهدت هذه الفترة تشكيل هيئات وطنية متخصصة، من أبرزها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والهيئة الوطنية للمفقودين، واللجنة العليا للسلم الأهلي، واللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث الساحل، واللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، بالإضافة إلى الصندوق السيادي لتنفيذ مشاريع تنموية والمجلس الأعلى للتعليم لتوحيد المناهج التعليمية.
مع استمرار تثبيت المرحلة الداخلية، بدأ الرئيس الشرع نشاطاً دولياً مكثفاً، حيث أجرى 22 زيارة رسمية إلى عواصم القرار، بدأها من السعودية التي زارها مرتين، تلتها ثلاث زيارات إلى تركيا، وثلاث إلى قطر، وزيارتان لكل من روسيا والإمارات، بالإضافة إلى البحرين والكويت والأردن ومصر وفرنسا والبرازيل وأذربيجان، وصولاً إلى واشنطن، في أول زيارة لرئيس سوري منذ استقلال البلاد عام 1946. وقد توجت هذه الجولة بحضور أممي بارز في نيويورك، ما أعاد سوريا إلى طاولة القرارات الدولية بعد سنوات من العزلة. وبالتوازي، استقبلت العاصمة دمشق أكثر من 70 وفداً عربياً ودولياً وأممياً، ما عكس دعم المجتمع الدولي للمرحلة الانتقالية ورغبة العالم في إعادة إدماج سوريا كشريك فاعل في التوازنات الإقليمية. وأسفرت هذه التحركات عن رفع العقوبات الأمريكية، بما فيها “قانون قيصر”، والأوروبية السابقة، وتوقيع أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع دول ومنظمات وشركات عربية ودولية، شملت قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية والصحة والتعليم والزراعة.
اقتصادياً، شهد العام المنصرم مؤشرات تحوّل مبكرة بعد سنوات من التدهور الحاد، حيث ظهرت بوادر تعافٍ أولي انعكست في استعادة المنشآت الحيوية، مما ساهم في تخفيف الضغط على الميزانية العامة للدولة. وأُطلقت المرحلة الأولى من الإصلاحات النقدية التي تضمنت إعادة هيكلة العملة الوطنية عبر حذف صفرين لتعزيز الاستقرار النقدي وضبط التضخم، بالإضافة إلى زيادة في الرواتب بنسبة 200% في محاولة لتعويض التدهور المعيشي الذي فرضته سنوات الحرب الطويلة. وجاء هذا التقدم في ظل تخفيف أو رفع تدريجي للعقوبات الغربية المفروضة منذ عام 2011، وبما في ذلك تعليق العمل بقانون (قيصر)، الذي كان يحدّ من قدرة الدولة على الانفتاح المالي والتجاري مع العالم، ما أعاد ثقة الأسواق بالاقتصاد السوري، وشكّل فرصة لإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي من خلال تسهيل معاملات البنوك وإعادة فتح قنوات التحويلات الدولية. وشملت السياسات الاقتصادية الجديدة أيضاً قانون الاستثمار المحدث، الذي وفر حوافز قانونية لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وتسهيل دخول المستثمرين عبر بيئة قانونية مشجعة، الأمر الذي عزز توقعات بخفض تكلفة التمويل ونقل التكنولوجيا، وكذلك ضمان مشاركة القطاع الخاص في إعادة الإعمار والتنمية. ترافقت هذه الخطوات مع جهود لاستعادة بعض مؤشرات النشاط الاقتصادي، مثل إعادة افتتاح سوق دمشق للأوراق المالية في 2 حزيران 2025 بعد ستة أشهر من الإغلاق، ما مثّل مؤشراً على تحوّل في القطاع المالي وإمكانية توفر قنوات تمويل جديدة لدعم النمو.
على الصعيد الاستراتيجي، شكّل سقوط النظام البائد نقطة تحوّل أساسية في المشهد الإقليمي، حيث استطاعت الحكومة الجديدة إنهاء نفوذ طهران بشكل مباشر داخل سوريا وإخراج ميليشياتها، وقطع خطوط التواصل الأرضي بين إيران و”حزب الله” اللبناني، وهو أمر وصف بأنه أعاد تشكيل الحسابات الإقليمية حول دور سوريا في التوازنات القائمة. وتوازى هذا التحوّل مع تحسّن العلاقات مع الدول العربية وجوارها الإقليمي، بعدما جرى إعادة انتخاب قنوات دبلوماسية مع دول مثل السعودية والإمارات وقطر في إطار تصحيح موقع سوريا السياسي على خريطة الشرق الأوسط. ومع انسحاب النفوذ السابق، ظهرت فرص لإعادة توجيه العلاقات الاستراتيجية نحو شراكات أكثر توازناً، سواء مع القوى الغربية أو الإقليمية، في سياق محاولة تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وهذا عبر إعطاء دور أكبر للدبلوماسية الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب البعد الأمني التقليدي.
اليوم وبعد مرور عام على انعقاد مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية، لم يعد الحدث مجرد ذكرى في الذاكرة السياسية، بل تحول إلى قاعدة تأسيسية متكاملة لمسار المرحلة الجديدة، تعالج ملفات الحكم والسيادة والدولة والمواطنة في سياق جديد. وشكّل العام الأول بعد إعلان مؤتمر النصر مرحلة تأسيس تهدف إلى وضع اللبنات الأولى لسوريا المستقبل، والتي تتلخص في (دولة مؤسسات، اقتصاد قابل للحياة، وعلاقات دولية متوازنة)، وهو ما يضع الشعب السوري في قلب عملية صنع القرار والتنمية بعد عقود من الصراعات والعزلة الدولية.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي