الانتشار العسكري الأميركي في الممرات الاستراتيجية: هل تستعد واشنطن لحصار بحري ضد إيران؟


هذا الخبر بعنوان "خارطة الانتشار العسكري الأميركي: الحصار البحري ليس مُستبعداً" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
توحي طبيعة الانتشار البحري الأميركي في الممرات الاستراتيجية بأن الولايات المتحدة قد تكون في طور فرض حصار بحري نشط على إيران. يُنظر إلى هذا التحرك كامتداد عملي للحصار الاقتصادي وأداة ضغط متعددة المستويات، تهدف إلى إنهاك طهران دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم بتداعياتها. يستبدل هذا النهج الضربة العسكرية المباشرة بسياسة «الخنق التدريجي» التي تستهدف شرايين الاقتصاد الإيراني، وفي مقدمتها قطاع الطاقة، مع الإبقاء على عنصر الردع العسكري حاضراً بقوة.
في سياق أعمّ، يمكن قراءة إعادة التموضع الأميركي كاستراتيجية استباقية تهدف إلى توظيف «الخطر الإيراني» لتبرير سحب الولايات المتحدة قواتها من أوروبا، وإحكام السيطرة على ممرات الطاقة العالمية. يمنح هذا واشنطن أوراق ضغط جيوسياسية إضافية في مواجهة الحلفاء الأوروبيين.
غالباً ما يرتبط ابتعاد الأساطيل الأميركية عن السواحل الإيرانية، وتمركزها في البحر المتوسط أو شمال المحيط الهندي، بالتحضير لعمليات هجومية بعيدة المدى. يُخرج هذا التموضع القطع البحرية من نطاق التهديد المباشر للصواريخ الإيرانية القصيرة والمتوسطة المدى، ويترافق عادة مع تصعيد سياسي وإعلامي يمهّد لضربات عسكرية واسعة.
غير أن المشهد الراهن يبدو مختلفاً؛ إذ تتمركز القوات الأميركية في الخليج وبحر عُمان وبحر العرب، وسط استمرار عبور القطع العسكرية مضيق هرمز في اتجاه مياه الخليج. يؤشّر ذلك، بحسب البعض، إلى تضاؤل احتمالات الهجوم الشامل، خصوصاً أن التموضع القريب من السواحل الإيرانية من شأنه أن يضع القطع الأميركية ضمن مدى الصواريخ الباليستية وصواريخ «كروز» الإيرانية، التي يتراوح مداها بين 200 و300 كيلومتر، ويتجاوز في بعض النسخ المطوّرة عتبة الألف كيلومتر. يتعزّز هذا الخطر مع قيام الجمهورية الإسلامية، أخيراً، بنشر منظوماتها الصاروخية على طول سواحلها الجنوبية، إلى جانب نشر مسيّرات هجومية، وزوارق سريعة مزوّدة بطوربيدات ومنصات صاروخية، بالإضافة إلى زوارق مسيّرة مفخّخة.
وبالتالي، ومن منظور عسكري بحت، لا يخدم ذلك التموضع الأميركي منطق الحرب الهجومية المباشرة، إنما يتّسق مع استراتيجية الردع المتبادل، والمراقبة اللصيقة، وفرض قواعد الاشتباك، وضبط الحركة في الممرات البحرية الحساسة. بتعبير آخر، يمثّل هذا الوجود العسكري أداة ضغط سياسي وأمني، تُستخدم لفرض العقوبات ومراقبة تنفيذها، لا لشنّ ضربات حاسمة.
مع ذلك، لا يخلو التموضع الأميركي من مخاطر جدّية، تبدو في الواقع منظورة من جانب القوات المسلحة الإيرانية، التي راكمت، في أثناء السنوات الماضية، خبرات كبيرة في مجال الحرب غير المتكافئة، خصوصاً في البيئات البحرية الضيقة. وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن طهران نشرت بالفعل جزءاً مهماً من قواتها البحرية في الخليج، بما شمل إرسال غواصات، وتكثيف وجود الزوارق الحربية السريعة، وإعادة تموضع منظومات صواريخ «كروز» وصواريخ بر – بحر المخصّصة للاشتباكات القصيرة والمتوسطة المدى، بمديات تتراوح بين 200 و500 كيلومتر، وتصل في بعض الأنظمة إلى نحو 700 كيلومتر.
يؤشّر ما تقدّم إلى استعداد إيراني لسيناريوهات متعددة، من الردع الدفاعي إلى الاشتباك المحدود، من دون الذهاب بالضرورة إلى مواجهة شاملة. غير أن تكدّس القوى العسكرية في مساحة جغرافية ضيقة يجعل الخليج ساحة عالية الحساسية، حيث يمكن أن يؤدّي أي خطأ تكتيكي أو سوء تقدير سياسي إلى تفجير مواجهة غير مقصودة.
وإذ تبدو الاستراتيجية الأميركية، في ضوء المعطيات المقدّمة، أقرب إلى الانتقال تدريجياً من العقوبات الاقتصادية إلى «حصار بحري» يستهدف، بالدرجة الأولى، الصادرات النفطية الإيرانية، يُرجّح أن تعتمد واشنطن أدوات قانونية وأمنية وسياسية غير مباشرة لتقييد حركة الشحن الإيراني – من مثل منع ناقلات النفط الأجنبية من نقل الخام الإيراني، تحت طائلة مصادرتها أو فرض عقوبات صارمة على الشركات والدول «المتورطة».
وفي أثناء ذلك، ستحرص الولايات المتحدة على تفادي الاحتكاك المباشر مع ناقلات النفط الإيرانية المملوكة لكيانات حكومية، تجنباً لإعادة إنتاج سيناريو «حرب الناقلات»، وما يحمله من مخاطر إغلاق مضيق هرمز، الذي يهدّد أمن الطاقة العالمي. وتعتقد واشنطن أن تشديد الخناق الاقتصادي والبحري من شأنه أن يعمّق الضغوط المعيشية داخل إيران ويرفع منسوب الاحتقان الاجتماعي فيها، وأن يفتح الباب بالتالي أمام موجات احتجاج واسعة أو تحركات سياسية أكثر تنظيماً، تشكّل، من المنظور الأميركي، ورقة ضغط إضافية يمكن أن تدفع طهران إلى تقديم تنازلات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة