تقدم ملحوظ في المحادثات الأمنية السورية-الإسرائيلية برعاية أمريكية: جبل الشيخ يظل العقبة الأبرز


هذا الخبر بعنوان "تقدم في ترتيبات الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد وتيرة المحادثات بين سوريا وإسرائيل تسارعًا ملحوظًا تحت رعاية أمريكية، مدفوعة بضغوط مباشرة من واشنطن للتوصل إلى اتفاق أمني قبل حلول شهر آذار المقبل. وتشير تقارير إعلامية غربية وإسرائيلية إلى إحراز تقدم ملموس في هذا المسار، إلا أن ملف الوجود العسكري الإسرائيلي على جبل الشيخ لا يزال يمثل العقبة الأبرز أمام إتمام أي اتفاق محتمل.
ووفقًا لمصادر غربية وسورية، تقود الولايات المتحدة، بضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جهودًا مكثفة لدفع الطرفين نحو اتفاق أمني قد يمهد لتعاون أوسع، وربما يفتح الباب أمام خطوات دبلوماسية غير مسبوقة، تشمل بحث ترتيبات خاصة بالجولان ومشاريع اقتصادية مشتركة. يأتي هذا الحراك في ظل انقسام داخل الإدارة الأمريكية، تستفيد منه إسرائيل لتأكيد موقفها بأن جبل الشيخ يمثل مسألة أمن قومي وخطًا أحمر لا يمكن التراجع عنه، في المقابل، يسود تفاؤل سوري بإمكانية تحقيق اختراق قريب.
في هذا السياق، أفادت تسريبات إسرائيلية بأن سوريا وإسرائيل تقتربان من إبرام اتفاق أمني برعاية أمريكية، وسط تسارع لافت في التطورات. وذهبت بعض هذه التسريبات إلى الحديث عن سيناريوهات ذات سقف عالٍ، من بينها ما وُصف بـ”إيجار الجولان لمدة 25 عامًا” و”فتح سفارة إسرائيلية في دمشق”. وبحسب مصدر مقرب من الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، من المتوقع أن يجتمع مسؤولون سوريون وإسرائيليون قريبًا بوساطة أمريكية، وربما في باريس، لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية أمنية بين الطرفين، وفقًا لما نقله الإعلام الإسرائيلي. هذه المعطيات أثارت تساؤلات سياسية حول مدى واقعية هذه التسريبات، وحدود جديتها، وما إذا كانت تعبّر عن تحوّل فعلي في مسار العلاقات أم أنها مجرد أدوات ضغط وجسّ نبض في مرحلة تفاوضية حساسة.
روايات متفاوتة
يرى أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأمريكية بالإمارات والخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري، أن التسريبات المتعلقة باتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد خيال سياسي، ولا يمكن في الوقت نفسه اعتبارها وقائع منجزة. ووضع فاخوري هذه التسريبات في منطقة “الاحتمال المشروط”، حيث لا مجال للجزم ولا للاستبعاد.
وأشار فاخوري إلى أن الصحافة الدولية قدمت روايات متفاوتة حول طبيعة هذا الحراك. فقد تحدثت وكالة “رويترز” عن قنوات تواصل ومحادثات أمنية غير مباشرة بوساطة أمريكية، يُرجّح أن يكون بعضها قد جرى أو سيجري في باريس، وتركز على خفض التصعيد وترتيبات أمنية مرتبطة بالجبهة الشمالية. في المقابل، ذهبت وسائل إعلام إسرائيلية، مثل “i24NEWS” و”Israel Hayom”، أبعد من ذلك، متحدثة عن أفكار تشمل ترتيبات طويلة الأمد في الجولان، واستخدمت توصيفات من قبيل “إيجار” أو “ترتيبات زمنية ممتدة”، إلى جانب سيناريوهات تطبيع تدريجي.
وأكد فاخوري أن الفرق الجوهري يكمن في أن وكالات دولية كبرى تتحدث عن واقع تفاوضي أمني محدود، بينما يرفع الإعلام الإسرائيلي السقف ويدخل في سيناريوهات مستقبلية غير مؤكدة. وخلص إلى أنه لا يمكن الجزم بأن سيناريو “إيجار الجولان” أو خطوات تطبيع دبلوماسي قريبة هو مجرد وهم، كما لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تؤكد أنه خيار مطروح فعليًا على طاولة اتفاق نهائي. فما هو قائم ومثبت، بحسب توصيفه، هو مسار أمني محدود، بينما تبقى العناوين الكبرى في إطار الاحتمال النظري والتسريب السياسي أكثر من كونها سياسة معتمدة.
طروحات لا تعكس واقع المفاوضات
من جانبه، يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن الاتفاق الأمني، في حال كان هو المقصود، يعد “تحصيل حاصل” بعد التفاهمات التي تم التوصل إليها، ولا سيما تلك المرتبطة بتفاهم باريس، حيث كان متوقعًا تشكيل لجنة تنسيق مشتركة برعاية أمريكية، معتبرًا أن جديّة هذا المسار مرتفعة، وأن المسألة مسألة وقت قصير. في المقابل، وصف جلو الحديث عن اتفاق سلام أو تطبيع واسع بأنه لا يزال مرتفع السقف وبعيد المنال، موضحًا أن الطروحات المتعلقة بإيجار الجولان أو فتح السفارات لا تعكس واقع المفاوضات الحالي. وأشار إلى أن ما يُقصد بإيجار الجولان، يرتبط بترتيبات أمنية قد تكون بديلًا عن اتفاقية “فض الاشتباك” لعام 1974، من دون أن تنهي واقع الاحتلال.
دمشق تتفادى المخاطر وإسرائيل تحتوي الخصوم
يأتي التقدم في مسار الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل في سياق إقليمي ودولي متغير، تدفعه اعتبارات أمنية وسياسية تسعى لإعادة ترتيب ملفات الاستقرار في المنطقة. وهنا، قال الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري، إن هذه التسريبات تخدم عدة أهداف، أبرزها اختبار ردود الفعل داخل سوريا وفي الإقليم، وفتح نقاش داخلي إسرائيلي حول مستقبل الجبهة الشمالية، إضافة إلى استخدامها كأداة ضغط تفاوضي، حيث يُطرح الحد الأقصى إعلاميًا بينما يُفاوض عمليًا على الحد الأدنى.
ويأتي التقدم في مسار الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل في سياق إقليمي ودولي متغير، بحسب فاخوري، تدفعه اعتبارات أمنية وسياسية متبادلة، إلى جانب ضغوط ورهانات أمريكية تسعى لإعادة ترتيب ملفات الاستقرار في المنطقة. وفي ظل تشابك المصالح وتعدد الملفات العالقة، ينطلق الطرفان من حسابات براغماتية تهدف إلى ضبط التوتر وتفادي التصعيد، أكثر من السعي إلى تسوية شاملة.
ويعتقد فاخوري أن سوريا ليست في وارد فتح جبهة مواجهة مباشرة مع إسرائيل في هذه المرحلة، وتسعى إلى خفض المخاطر الأمنية وتفادي ضربات متكررة قد تخلخل الاستقرار الهش، كما تتعامل دمشق ببراغماتية مع الوقائع الميدانية عبر ترتيبات تقلل الخسائر دون الدخول في مسار سياسي عالي التكلفة، إلى جانب رغبتها في فتح نوافذ غير مباشرة مع واشنطن، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح. في المقابل، ترى إسرائيل أن تثبيت الهدوء على الجبهة الشمالية عبر تفاهمات أمنية أقل تكلفة من استمرار نمط الضربات المفتوحة، كما تسعى، وفق التحليلات الإسرائيلية والغربية، إلى احتواء النفوذ الإيراني، وتحقيق مكاسب أمنية طويلة الأمد حتى دون اتفاق سلام، فضلًا عن تسويق إنجاز سياسي داخلي عبر رفع سقف الخطاب الإعلامي، أضاف فاخوري.
تُظهر قراءة الأدوار أن الولايات المتحدة تمسك بالخيط الأساسي بوصفها الراعي الفعلي وصاحبة أدوات الضغط والضمان، فيما يقتصر دور فرنسا على توفير منصة دبلوماسية أقل حساسية، تتيح عقد لقاءات بعيدًا عن الأضواء. وبهذا المعنى، تُدير واشنطن المسار من الخلف، بينما تؤمّن باريس البيئة السياسية التي تساعد على تقدم التفاهمات خطوة بخطوة. أما الولايات المتحدة فتركز على منع انفجار إقليمي واسع، وإعادة هندسة التوازنات دون الدخول في مسارات سلام شاملة، وتُستخدم الوساطة الأمريكية كأداة لإثبات الحضور الدبلوماسي وتقليص الفراغ الدولي، في إطار مقاربة تقوم على “إدارة النزاعات” لا حلها.
دمشق.. “تصفير المشكلات”
الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، يرى أن التفاهمات بلغت مراحل متقدمة، بدليل نجاحها في تحييد أي تصعيد إسرائيلي أو استثمار للأحداث الداخلية، مشددًا على أن الدور الأمريكي كان حاسمًا في الوصول إلى هذه المرحلة، من خلال ضغوط وُضعت أمام الحكومة الإسرائيلية للحفاظ على استقرار سوريا. هذا المسار يعكس قناعة سورية بضرورة تصفير المشكلات مع الجوار كمدخل لإعادة بناء الدولة، في إطار واقعي وبراغماتي، رغم استمرار واقع الاحتلال، أضاف جلو.
فرص النجاح واحتمالات الفشل
تطرح التسريبات المتداولة حول الاتفاق الأمني المحتمل بين سوريا وإسرائيل تساؤلات جدية بشأن فرص تحولها من مجرد معطيات إعلامية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ. فبينما تعكس كثافة التسريبات وجود حراك فعلي وضغوط سياسية نشطة، تبقى إمكانية نجاح هذه المساعي مرهونة بمدى قدرة الأطراف المعنية على تجاوز الملفات الخلافية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عامر فاخوري، أن فرص نجاح هذه التسريبات لا تبدو متساوية، بل تعتمد على مستوى السقف السياسي المطروح. فبحسب التحليلات التي نشرتها صحف دولية ووكالات كبرى، هناك واقعية أعلى لنجاح مسار أمني محدود بين سوريا وإسرائيل بوساطة الولايات المتحدة، يهدف إلى خفض التصعيد وضبط الاشتباك على الجبهة الشمالية. هذا النوع من التفاهمات لا يحتاج إلى إعلان سياسي ولا تنازلات سيادية، ويخدم مصلحة الطرفين في إدارة المخاطر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وهو ما يجعل فرصه العملية أعلى نسبيًا. في المقابل، كلما ارتفع سقف التسريبات نحو عناوين كبرى مثل “إيجار الجولان” أو خطوات تطبيع دبلوماسي، تراجعت فرص تحققها على أرض الواقع، وفق تعبيره، مضيفًا أن التحليلات ترى أن هذه العناوين تُستخدم غالبًا كأدوات اختبار وضغط إعلامي أكثر من كونها بنودًا تفاوضية ناضجة، نظرًا إلى حساسيتها القانونية والسياسية وتعقيداتها الداخلية والإقليمية. لذلك، خلص فاخوري إلى أن من المرجح أن يبقى ما يمكن أن ينجح محصورًا في ترتيبات أمنية هادئة ومحدودة، بينما تظل السيناريوهات الأكبر مؤجلة أو مجرد تسريبات أكثر من قابليتها للتنفيذ.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة