من الذكورية إلى السياسة: ثقافة تحميل الأبرياء وزر أفعال غيرهم في مجتمعاتنا


هذا الخبر بعنوان "أن تحمل أنت وزر غيرك" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الكاتب خطيب بدلة إلى أن "الذكورية" تمثل إحدى المشكلات، بل المصائب، التي تثقل كاهل مجتمعنا وتعيق خروجه من معضلة التخلف. لا يقتصر خطرها على إقصاء الطاقة الإنتاجية للمرأة من ميدان العمل فحسب، بل يمتد ليؤدي إلى اختلال في البنية الأخلاقية للمجتمع.
وللانتقال من الحديث النظري الجاف إلى الأمثلة الحية، يبرز الكاتب ظاهرة خطيرة تتمثل في قبول العديد من النساء بهذا الواقع المختل وتأييده، على الرغم من تعرضهن للازدراء والمعاملة السيئة من الذكور، التي قد تصل إلى الزجر أو الضرب، أو حتى إضافة الرجل لامرأة أو اثنتين إلى حياته على مرأى منهن، وفي بعض الحالات، نكاية بهن.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالقارئ قد يلاحظ في ملاعب كرة القدم غضب الآلاف من المتفرجين على حكم الساحة، ومع ذلك يتركونه وشأنه ويسبون شقيقته التي لا علاقة لها بالمباراة. يتجاوز هذا السلوك إلى عالم الشعراء، الذين يُفترض أنهم نخبة المجتمع، حيث يعتقد أحدهم أن أقصى إهانة يمكن توجيهها لخصمه هي توجيه كلام بذيء بحق والدته. وقد برع في هذا ابن الرومي وشعراء النقائض مثل جرير والأخطل والفرزدق.
انتقلت هذه العدوى إلى العصر الحديث، فنجد الشاعر مظفر النواب يهجو الحكام العرب لتخاذلهم في الدفاع عن القدس، واصفاً إياهم بـ "أبناء القحبة" دون استثناء أحد. وفي سياق الثورة السورية، تكرر أن سخر بعض الكتاب المعارضين من سيدات كن مؤيدات لنظام الأسد، واستخدم معارضون آخرون السباب بحق نساء حافظ الأسد وبشار.
يرى الكاتب أن هذا السلوك يدل على ضياع البوصلة، فلدى الزعيم الذي يُخاصم ويُراد هجوه عشرات الخصال السيئة، فلماذا تُترك جرائمه كونه قاتلاً ومجرماً ومساهمًا في تخريب البلاد، ويتم التركيز على والدته أو شقيقته أو زوجته، اللواتي قد يكن بريئات من أي فعل مؤذٍ للآخرين؟
يتذكر الكاتب أنه عند تأمله في قصيدة مظفر النواب، تساءل عن سبب توجيه السباب لأمهات الحكام العرب، اللواتي قد تكون بعضهن متوفاة منذ زمن بعيد، أو عاقلة ومحبة ولا علاقة لها بالسياسة. ويؤكد على ضرورة محاسبة الحكام أنفسهم، الذين يمتلك كل منهم سجلاً حافلاً بالإجرام، بدلاً من التنمر على نسائهم.
يخلص الكاتب إلى أن هذه الظاهرة تعكس ثقافة مجتمعية متأصلة، انتقلت إلى عالم السياسة، تقوم على فكرة تحميل وزر شخص لأشخاص من أقاربه، حتى لو كانوا رجالاً. ويعزو السبب إلى أن ثقافتنا قبلية، عشائرية، عائلية، لا تحمّل الفرد مسؤولية أفعاله وحده، لأنها لا تعترف باستقلاليته.
ويستشهد الكاتب بتجربته الشخصية خلال سنوات الثورة، حيث اضطر بعض أقاربه الذين استمروا بالعيش في مناطق النظام، عند مرورهم بحاجز أمني، إلى القول إن قرابتهم بـ خطيب بدلة بعيدة وإنه لا يعرفهم عن قرب. ويتكرر السيناريو ذاته الآن، عندما يذهب أحد طبالي السلطة إلى أحد أقاربه ويقول له كلاماً غير مفهوم مثل: "يا أخي ليش خطيب عم يحكي هيك؟ والله ما له حق"، دون أن يوضح أحد ماهية هذا "الهيك".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة