“الشراع والعاصفة” لحنا مينه: ملحمة الإنسان والبحر في مواجهة القسوة والاحتلال


هذا الخبر بعنوان "“الشراع والعاصفة”.. عن قوة الإنسان وهشاشته" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد الروائي السوري والعربي البارز حنا مينه اسمًا ملازمًا لما يُعرف بـ”أدب البحر” في الرواية العربية. ولد مينه في اللاذقية عام 1924 وتوفي عام 2018، وعكست حياته القاسية بوضوح في كتاباته، حيث انحاز دائمًا إلى الفقراء والمهمشين، وجعل من الكفاح اليومي مادة أساسية لسردياته. في أعماله، يتجاوز البحر كونه خلفية جمالية ليصبح قوة كاشفة لطبيعة الإنسان، مظهراً صلابته وهشاشته في آن واحد.
تُعتبر رواية “الشراع والعاصفة” من أشهر أعمال حنا مينه وأكثرها حضورًا في الذاكرة الأدبية السورية. تدور أحداث الرواية في مدينة اللاذقية ومحيطها الساحلي خلال فترة الاحتلال الفرنسي، حيث يشكل البحر ساحة للصراع والعمل والمواجهة اليومية مع الخطر. من خلال شخصيات تنتمي إلى الطبقات الفقيرة، يرصد الكاتب علاقة الإنسان بالبحر بوصفها علاقة حياة أو موت.
تتمحور الرواية حول شخصية “الطروسي”، البحّار الفقير الذي يشكل المحور الأساسي للأحداث. فالطروسي ليس بطلًا تقليديًا أو نموذجًا مثاليًا، بل هو إنسان صاغه البحر بصلابته وقسوته، ودفعه الفقر إلى المواجهة اليومية مع الخطر. من حيث البناء السردي، تنقسم الرواية إلى ثلاثة فصول، وتتصاعد أحداثها نحو العاصفة التي تمثل الذروة السردية.
عبر شخصية الطروسي، يرصد مينه حياة البحّارة الذين يعملون في ظروف قاسية، ويعيشون بين خوف دائم من البحر وحاجة لا تترك لهم خيارًا سوى العودة إليه. يخرجون إلى البحر مدفوعين بالحاجة، ويعودون محملين بالخسارة أو النجاة المؤقتة. فالبحر في “الشراع والعاصفة” ليس مجرد عنصر طبيعي، بل قوة ضاغطة تشبه السلطة في قسوتها وعدم اكتراثها. تتحول العاصفة، التي تحضر بقوة في الرواية، إلى اختبار أخلاقي وإنساني يكشف معدن الشخصيات وقدرتها على الصمود أو الانكسار.
يعتمد حنا مينه على أسلوب واقعي مباشر، خالٍ من الزخرفة، لكنه مشحون بالتفاصيل الحسية من خلال صوت الأمواج، وتعب الأجساد، والخوف الكامن في انتظار العاصفة. يمنح هذا الأسلوب الرواية صدقها، ويجعل القارئ قريبًا من الشخصيات، يشعر بثقل البحر كما يشعرون به. فالشخصيات هنا ليست أبطالًا خارقين، بل بشر عاديون يصارعون الطبيعة والظروف والاحتلال في آن واحد.
تطرح الرواية أسئلة تتجاوز البحر نفسه، فالصراع مع الطبيعة يتقاطع مع الصراع ضد الظلم الاجتماعي والاستعمار، حيث يظهر الفقر بوصفه عاصفة أخرى لا تقل قسوة. تعيش الشخصيات بين قوتين: بحر لا يؤتمن، وسلطة لا ترحم، وبينهما يحاول الإنسان الحفاظ على كرامته ومعنى الاستمرار. أحد أبرز عناصر “الشراع والعاصفة” هو البعد الجماعي في السرد، إذ لا تتمحور الرواية حول بطل واحد بقدر ما تقدم صورة جماعية لمدينة ومجتمع يعيش على الحافة. أما الذات الإنسانية التي تتضمن “الخوف والشجاعة والأنانية”، فكلها تتجاور داخل النص دون أحكام أخلاقية مباشرة، تاركة للقارئ مهمة التقييم.
لا تقدم “الشراع والعاصفة” البحر بوصفه عدوًا مطلقًا، ولا الإنسان بوصفه ضحية فقط، لأن الرواية هي عن المواجهة المستمرة مع القدر، وعن العمل بوصفه فعل بقاء، وعن الكرامة التي تُختبر في أقسى الظروف. بهذا العمل، يرسخ حنا مينه موقعه كروائي جعل من الواقع مادة أدبية، ومن المعاناة اليومية سردًا قادرًا على البقاء، بعيدًا عن الشعارات وقريبًا من الإنسان.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة