ترييف المدينة السورية: تحليل فكري لأسباب فشل الدولة وتكرار الاستبداد


هذا الخبر بعنوان "لماذا لا تقوم الدولة من دون المدينة؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سياق فكري نادر، يطرح محمد محمود هرشو حلقة الدكتور أحمد نسيم برقاوي الأخيرة كفرصة لإعادة فتح سؤال مؤجل في النقاش السوري: لماذا فشلت الدولة، ولماذا يتكرر هذا الفشل بأشكال متعددة، رغم تبدل الوجوه والوقائع؟ لا يرجع السبب إلى أن السوريين "غير مهيئين للدولة" أو لأن المجتمع "متنوع أكثر من اللازم"، بل لأن المدينة، التي تُعد الفضاء السياسي الطبيعي لبناء الدولة، جرى تفريغها عمدًا من دورها واستبدالها بعصبيات ما دون الدولة.
الفكرة الجوهرية التي يقدمها برقاوي لا تتمحور حول صراع بين الريف والمدينة، ولا تحمل أي ازدراء اجتماعي. المقصود هنا هو مفهوم مختلف تمامًا: ترييف المدينة سياسيًا. ويعني ذلك نزع أدواتها التمثيلية والمؤسسية، وتحويلها من مجتمع مواطنين إلى كتلة سكانية تُدار عبر وسطاء، ووجهاء، ومشايخ، و"ضامنين اجتماعيين".
منذ لحظة استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970، بدأ مسار منهجي لتفكيك المدينة السورية بوصفها فاعلًا سياسيًا. فالمدينة التي كانت قبل ذلك حاضنة للنقابات، والأحزاب، والبرلمان، والجامعات، والطبقة الوسطى المتعلمة، جرى تحييدها عبر ضرب مؤسساتها، وتجفيف السياسة منها، وربط الصعود الاجتماعي والوظيفي بالمؤسسة الأمنية والعسكرية، لا بالكفاءة أو التمثيل العام.
في المقابل، أُعيد الاعتبار للعصبيات، ليس بوصفها مكونًا اجتماعيًا طبيعيًا، بل كأداة حكم. فالعشيرة، والطائفة، والرابطة الريفية، تحولت من روابط اجتماعية إلى وسائط سياسية. هذا النمط من الحكم لا يمكنه البقاء داخل مدينة حية، لأن المدينة، بحكم تعريفها، تنتج مساءلة، وتنظيمًا، ومصالح عامة، وصراعًا سياسيًا عقلانيًا. لذلك، كان لا بد من إخضاعها.
هذه المقاربة ليست حكرًا على برقاوي وحده. فالعديد من المفكرين الذين درسوا بنية السلطوية في سوريا والمنطقة، أشاروا إلى أن الاستبداد الحديث لا يحكم بالقمع فقط، بل بإعادة تشكيل المجتمع نفسه. فعندما تُفرغ السياسة من مضمونها المؤسسي، وتُستبدل بالولاء الشخصي، تصبح العصبية ضرورة تشغيلية للسلطة، وليست مجرد ظاهرة اجتماعية.
المشكلة أن هذا المسار لم يتوقف. بل إن ما نشهده اليوم، في ظل السلطة الحالية، يبدو في كثير من جوانبه استكمالًا أكثر فجاجة لما بدأه الأسد الأب. يتجلى ذلك في تعويم واضح لدور العشائر، وتعيين مشايخ ووجهاء بصفات "تمثيلية"، والتعامل مع المدن بوصفها مناطق يجب ضبطها أمنيًا لا مجتمعات يجب إشراكها سياسيًا، واستمرار تعطيل أي شكل حقيقي للتمثيل المؤسسي.
المدينة هنا لا تعني دمشق أو حلب كجغرافيا، بل كفكرة: بلدية منتخبة، نقابة مستقلة، اتحاد مهني، جامعة لها استقلالها، إعلام محلي، قضاء يُحتكم إليه لا يُلتف عليه. وحين تُسحب هذه الأدوات، لا يبقى أمام سكان المدن سوى خيارين: الانكفاء أو الخضوع.
التاريخ السوري نفسه يقدم الدليل المعاكس، ففي الفترات التي كانت فيها المدن قوية - في الخمسينيات مثلًا - ورغم كل الفوضى السياسية، كانت هناك حياة عامة، وتداول سلطة، وصحافة، وأحزاب، ونقاش وطني. لم تكن الدولة مثالية، لكنها كانت دولة قابلة للإصلاح، لأن المجتمع كان منظمًا داخل مؤسسات.
إعادة الاعتبار للمدينة لا تعني إقصاء الريف، ولا كسر التوازن الاجتماعي، بل العكس تمامًا. فالمدينة القوية هي الضامن لوحدة المجتمع، لأنها تذيب العصبيات داخل إطار المواطنة، وتحول الانتماء من الدم والأصل إلى القانون والمصلحة العامة. من دون مدينة حية، لا يمكن توحيد سوريا، بل فقط إدارتها مؤقتًا عبر صفقات وتسويات هشة.
خلاص سوريا، إن كان ممكنًا، لا يمر عبر تكبير العشائر ولا عبر إعادة إنتاج الهويات ما دون الوطنية، بل عبر استعادة السياسة إلى المدينة، وبناء دولة تقوم على المؤسسات لا الوساطات، وعلى الكفاءة لا الولاء، وعلى المواطنة لا العصبية. فدون ذلك، سنبقى ندور في حلقة استبداد تتغير وجوهه، لكن يبقى جوهره واحدًا.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة