محمد سيدة: قصة شاعر سوري عاش المعاناة وأبدع الشعر ورحل في صمت


هذا الخبر بعنوان "الشاعر محمد سيدة..عاش مغبوناً ورحل وحيداً" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ طفولته المبكرة، عرف الشاعر محمد سيدة المعاناة التي لازمته كظلٍّ حتى لحظة رحيله عن الحياة. بل إن ذروة مأساته تجلّت في ظروف وفاته والوقائع التي تلتها، والتي بدت أغرب من الخيال.
وُلد الشاعر محمد سيدة عام 1941، وكان الابن الأكبر لأسرة فقيرة تقطن أحد الأحياء الشعبية في مدينة اللاذقية السورية. توفيت والدته وهو في الصف الرابع الابتدائي، مما اضطر والده لإخراجه من المدرسة ليعمل في فرن يملكه أحد أخواله. وعند بلوغه الثامنة عشرة، هجر بيت العائلة وحصل على عمل في مديرية كهرباء اللاذقية، حيث أمضى أربعين عاماً كعامل تشغيل لمحطة توليد الكهرباء التي تعمل بالديزل، ليتقاعد هو والمحطة في موعدين متقاربين. عاش محمد سيدة حياته كلها تقريباً بمفرده في قبو رطب ومعتم، كان قد استأجره ثم نجح في شرائه.
ثقّف محمد سيدة نفسه ذاتياً، وبنى عالمه الشعري ببطء ودأب. برز اسمه على المستوى القطري بعد صدور الديوان المشترك "أنذرتك بحمامة بيضاء" عن وزارة الثقافة السورية عام 1984، والذي حمل اسمه إلى جانب مرام مصري ومنذر مصري. استُقبل الديوان بحماس كجزء من الحساسية الجديدة في الشعر السوري المعاصر. ورغم أن عنوان الديوان اقتُبس من إحدى قصائد محمد سيدة، إلا أنه لم يكن راضياً عن التجربة، لذا أقدم على إحراق حصته من نسخ الديوان. وقد استفسر الكاتب حسن م. يوسف عن هذه الجزئية من الصديق المشترك يوسف شغري، الذي أخبره أن سيدة انزعج من الأخطاء المطبعية الكثيرة في الديوان، إضافة إلى أسباب أخرى لم يشأ شغري ذكرها.
في ذلك الديوان المشترك، وصف محمد سيدة مصيره وكأنه يتنبأ به قائلاً: "لهفتي عليكِ / تاريخُ شاعرٍ صعد الحلبة / ونازل الهواء/ بسيف الكلمة الطيبة". ومنذ بداياته الأولى، عبّر عن إحساسه العميق بقدره المأساوي، فقد قال في إحدى قصائده المبكرة: "عندما عبرت مدى الظلمات/ حافياً عارياً / لأحتمي بدفق أشعة الشمس / استحالت الشمس إلى قرص من صقيع". يرى الكاتب أن محمد سيدة لم يكن يركن للبلاغة التقليدية، بل تجاوزها إلى المبالغة المفرطة في التعبير، ولجأ لهذه المقاربة مراراً، كقوله: "حين رأوك متلبسةً بحرير النوم قربي / تفيضين حناناً وبياضاً وقوَّة/ رجموكِ بسلسلةٍ من الجبال،/ وهربوا".
لم يكن محمد سيدة بارعاً في اكتساب الأصدقاء أو الحفاظ على الصداقات، لكن الشاعر منذر مصري ظل دائماً الصديق الأقرب إليه في كل مراحل حياته، رغم تقلبات الظروف. وقد وصف منذر صديقه سيدة في إحدى قصائده بأنه: "رَجُلٌ بِقَدَمَينِ كُلٌّ مِنهُما تَنتَعِلُ سَحابَة..". كتب منذر مصري عن محمد سيدة أكثر من عشرة قصائد، بينما كتب سيدة عنه قصيدة يتيمة قصيرة اختتمها بقوله: "فابتَعِد عَن نَوافِذ / تَكوَّمتْ تَحتَها القُمامَة / وابصِق على سُهدِ النِّيام / ثُمَّ أَقفِل شَفتيكَ /بإسوارةٍ من ذَهب..".
يرى الشاعر منذر مصري أن محمد سيدة هو شاعرُ حب بالدرجة الأولى، وقد ذكر في أحد مقالاته الكثيرة عنه: "سمعته يقول مراراً بأن الحب كفيلٌ بإيجاد الحلول الرائعة لكل مشكلات البشرية"، ولكنه أضاف أن "بالنسبة لمحمد كان الحب ذاته مشكلة المشكلات". هذه الإشكالية تتجلى بوضوح في القصيدة التي اقتُبس منها عنوان الديوان المشترك، وفي جل نتاجه الشعري: "لماذا تكثفين الجدران/ أمام خفقات قلبي/ الذي أحرق الزورق/ وأنذركِ بحمامةٍ بيضاء". يرى الكاتب أن غربة الوسيلة عن الهدف هي السبب الجوهري لمآسي محمد سيدة ووحدته، فقد مارس القسوة والعنف بحق نفسه في شعره وواقعه، بينما مارس الرحمة والرقة بإفراط مع حبيبته، محتجاً على الجدران التي تكثفها بينهما بإنذارها بحمامة بيضاء، وهو إنذار ينضح بأقصى الرقة والتسليم في مواجهة أقصى القسوة والتمنع.
في عام 2001، أصدر محمد سيدة ديوانه الوحيد "إذا كنت وردة حمراء" عن وزارة الثقافة السورية، وقد ضمّن ذلك الديوان كل قصائده تقريباً. وبذلك ازداد تشابهه مع الشاعر الفرنسي آرثر رامبو الذي لم يصدر خلال حياته سوى ديوان واحد بعنوان "موسم في الجحيم". وكان موضوع معظم قصائد سيدة هو التوق للحب والأمل بتحققه: "في ليلة العيد / أحببتُ أن أحملك على كتفي/ كنجمةٍ في شجرة ميلاد / وأن نجوب معاً كل أجيال الفرح/ وأنا أقول : يا عيد … هذه حبيبتي."
بعد سنوات من وفاة محمد سيدة، اكتُشفت ثماني قصائد غير منشورة له، وكتب منذر مصري مقالاً جميلاً احتفاءً بهذا الاكتشاف. والغريب أن سيدة تنبأ في إحدى تلك القصائد بمصير عصافيره التي ماتت بالفعل عقب موته المأساوي: "يبدو أنَّ العصافير التي لدينا /ضعيفةٌ يا أمّي / ولن تعبر هذه السنة معنا / من صيفٍ إلى صيف/ ومن ربيعٍ إلى ربيع..".
لم يتزوج محمد سيدة، وعاش سنواته الأخيرة في قبوه الرطب المعتم المزدحم بالكتب والمجلات وأقفاص الكناري والحساسين. في 15 آب من العام 2003، اختفى محمد سيدة. وبعد عشرة أيام، افتقده أخوه وأخته، فخلعوا باب القبو ليجدوا طيوره ميتة. وعند مراجعتهما الشرطة، أُعلما بوجود جثة شخص مجهول كان قد أصيب بأزمة قلبية في سوق الجمعة وتوفي بعد عشر دقائق من إسعافه إلى المستشفى الجامعي. ونظراً لعدم حمله بطاقة هوية وعدم تعرف أحد عليه، فقد أودع في البراد لعشرة أيام. والأمر العجيب هو أن محمد سيدة كان قد هجس بنهاية كهذه، إذ قال في إحدى قصائده: "...وجميع أمنياتك لي بالدفء/ لن تحول بلا موتي / من البرد بدونك ..".
عشرة أيام قضاها الشاعر محفوظاً في البراد! عندما علم الكاتب بتفاصيل هذا الرحيل المأساوي للشاعر محمد سيدة، كتب عنه مقالاً أنهاه بالصرخة التي أطلقها هنري ميللر في كتابه "رامبو وزمن القتلة": "عندما يكون الشاعر في القاع يجب قلب العالم رأساً على عقب.". لم تكن اللاذقية رحيمة بمحمد سيدة، لكن الشاعر أحب مدينته بلا حدود، ببشرها وبحرها وأسواقها، وصاغ حبه أمنيةً عبّر عنها بهذه القصيدة الرهيفة: "عندما أموت/ وتمتلئ عيناي بالتراب / ويحرق الصقيع كلَّ الغابات / التي نَمَتْ على جسدي/ أريد أن أعودَ على شكلِ موجةِ بحرٍ زرقاء/ تمسحُ برفق قدمَي مدينتي اللاذقية/ إلى الأبد..".
(أخبار سوريا الوطن2-مجلة الشارقة الثقافية)
سياسة
ثقافة
ثقافة
ثقافة