مفاوضات أمريكية إيرانية مفاجئة في عُمان: الكشف عن الدوافع والمخاطر الإقليمية


هذا الخبر بعنوان "الولايات المتحدة وإيران تتفاوضان.. ما الذي غيّر الأوضاع؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار شراكة إعلامية بين عنب بلدي وDW، تجتمع اليوم وفود من الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان لإجراء جولة جديدة من المفاوضات، وذلك بعد وساطة مكثفة من دول المنطقة. يدخل الجانبان هذه المحادثات في العاصمة مسقط بمواقف متباينة بشدة، مما يثير مخاوف من تصعيد قد يؤدي إلى حرب جديدة.
أثارت الجولة الجديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران دهشة العديد من الخبراء والشخصيات الإيرانية، خاصة وأنها تأتي بعد فترة دعا فيها ترامب إلى تغيير السلطة في إيران وعزز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة خلال ذروة الاحتجاجات الإيرانية. يُرجح أن يكون هذا التحول المفاجئ في موقف ترامب ناتجاً عن دبلوماسية الأزمات التي مارستها دول إقليمية مثل السعودية وقطر وتركيا، والتي تسعى للحفاظ على علاقة براغماتية مع طهران وتخشى من تصعيد عسكري قد تكون له تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها.
لم يحدد الرئيس الأمريكي ترامب أهدافه بوضوح تجاه إيران، إلا أن الحشد العسكري الكبير يوحي باستعداد الولايات المتحدة لضربة محتملة، خاصة مع تهديداته الصريحة بالتدخل العسكري. ورغم تأكيده على رغبة إيران في التوصل إلى اتفاق، لم يتراجع ترامب عن موقفه، موجهاً رسالة إلى طهران مفادها: "الاتفاق هو فرصتكم. إذا رفضتموه، فأنتم تُخاطرون بهجومنا عليكم". يهدف ترامب من خلال هذا التهديد إلى تصعيد الضغط على إيران للامتثال لمطالبه، التي تشمل تقليص مدى الصواريخ الباليستية والتخلي التام عن تخصيب اليورانيوم محلياً. ويرى ترامب أن موقفه التفاوضي تعزز بعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، ملخصاً رسالته إلى إيران بقوله: "لقد رأيتم في فنزويلا ما نحن قادرون عليه".
تتركز محاور المحادثات بشكل أساسي على البرنامج النووي الإيراني، حيث تسعى الولايات المتحدة لمنع الجمهورية الإسلامية من امتلاك أسلحة نووية. بينما تصر طهران على أن برنامجها النووي مخصص للأغراض المدنية فقط، أبدت القيادة الإيرانية استعدادها للتنازل بشأن قيوده. ومع ذلك، وضعت طهران خطوطاً حمراء علنية، مؤكدة أنها لن تتخلى تماماً عن صناعة تخصيب اليورانيوم، وأن قضايا برنامج الصواريخ غير قابلة للتفاوض.
تسعى القيادة الإيرانية، وفقاً لتصريحات الحكومة خلال المفاوضات الأخيرة مع الولايات المتحدة، إلى رفع العقوبات الاقتصادية القاسية التي عزلت البلاد عن السوق المالية الدولية وأدت إلى عزوف المستثمرين. تُعد هذه العقوبات سبباً رئيسياً للوضع الاقتصادي المتدهور الذي أثر على الطبقة الوسطى ودفع شرائح من السكان نحو الفقر. لكن هذه الجولة من المفاوضات تحمل مخاطر أكبر، خاصة بعد تصريح ترامب لموقع بوليتيكو الإخباري في منتصف يناير/كانون الثاني بأن "الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران". ورغم أن الحكومة والجيش الإيراني يُظهران علناً وحدة واستعداداً للتصعيد العسكري، إلا أن القيادة قد تخشى سراً على بقائها، في ظل هيمنة مخاوف الحرب على عناوين الأخبار لأسابيع.
يقيم الخبراء المفاوضات بتعقيد، حيث يرى خبير شؤون الشرق الأوسط، دانيال غيرلاش، في برنامج "كارين ميوسغا" على قناة ARD، أن إيران ستحاول التركيز على برنامجها النووي. ويعتبر غيرلاش أن ادعاء إيران بامتلاك برنامج نووي مدني فقط هو تكتيك تفاوضي لكسب الوقت من خلال جر ترامب إلى مفاوضات مطولة. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة للحد من القدرات العسكرية الإيرانية ووقف برنامجها النووي، فضلاً عن مساعدة الشعب الإيراني وإحداث تغيير في السلطة. ويشير غيرلاش إلى التناقض بقوله: "إذا دخلت في مفاوضات مع النظام، فلا يمكنك أن تدّعي أنك تريد الإطاحة به". وقد لعبت دول المنطقة، مثل قطر والسعودية وتركيا، دوراً محورياً، إذ سعت لإضعاف إيران عسكرياً دون الرغبة في الإطاحة بحكومتها. ويرى أستاذ جامعي إيراني متقاعد أن الحكومة الإيرانية، على عكس تصريحاتها العلنية، مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة، حيث صرح مصدر مطلع: "أنا على يقين من أن إيران ستقبل جميع المطالب الأمريكية".
تتابع إسرائيل المستجدات باهتمام بالغ، حيث قدمت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية تحليلاً يشير إلى أن ترامب يواجه معضلة. فبعد تحذيره لقادة إيران من قتل المتظاهرين وإعلانه عن قرب وصول المساعدة، لا يمكنه، حسب الصحيفة، أن يظهر بمظهر أوباما الذي وضع خطاً أحمر في سوريا عام 2012 بشأن الأسلحة الكيميائية ثم لم يلتزم به. وفي الوقت ذاته، لا يستطيع ترامب أن يظهر بصورة جورج دبليو بوش الذي قاد الولايات المتحدة إلى حرب في الشرق الأوسط بعد هجمات 11 سبتمبر دون هدف واضح.
تخشى الولايات المتحدة من تصعيد إقليمي خارج عن السيطرة، وهو ما حذر منه حلفاء واشنطن المسلمون في الشرق الأوسط، وفقاً لجيروزاليم بوست. كما أدركت واشنطن افتقارها لسيناريو موثوق لتنفيذه في حال الإطاحة بآيات الله، وواجهت مقاومة داخل الإدارة الأمريكية نفسها ضد الانجرار إلى صراع مفتوح آخر في الشرق الأوسط. ومع استبعاد خيار تغيير النظام وعدم رغبة الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة، لم يتبقَ أمام واشنطن، حسب الصحيفة الإسرائيلية، سوى خيار الدبلوماسية المألوف. وعندما يتعلق الأمر بإيران، تعود الدبلوماسية دائماً إلى الملف النووي، الذي يُعد الأكثر تعقيداً والأكثر قابلية للتفاوض بين جميع الخلافات بين الجانبين.
تتساءل هيئة تحرير نيويورك بوست عما إذا كانت المفاوضات تمثل انتصاراً لأردوغان، فبينما تسعى واشنطن لإضعاف حكام إيران، تبذل تركيا جهوداً مضنية لإبقاء النظام في السلطة. وترى الصحيفة أن الصراع الدبلوماسي الدائر هذا الأسبوع حول المفاوضات الأمريكية الإيرانية يمثل انتصاراً لرجب طيب أردوغان، الرجل القوي في تركيا، الذي قاد حملة انتهازية لكسب الوقت ومنع أي عمل عسكري أمريكي وإسرائيلي ضد الجمهورية الإسلامية بعد قمعها الوحشي للمتظاهرين المدنيين. ويضيف التقرير التحليلي أن أردوغان يتظاهر بالقلق من أن يؤدي العمل العسكري إلى "عدم استقرار إقليمي"، لكن هدفه الحقيقي بسيط: منع سقوط النظام الثيوقراطي الإيراني، ووقف ظهور دولة حرة ديمقراطية من شأنها أن تحطم طموحاته الإقليمية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة