أزمة الكهرباء في سوريا: فواتير تفوق الرواتب وتثير غضبًا شعبيًا ومطالبات بحلول عاجلة


هذا الخبر بعنوان "فواتير الكهرباء في سوريا: عبء يفوق الرواتب… وحلول مطروحة بين الفوترة الشهرية والدفع المسبق" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه السوريون أزمة معيشية خانقة جراء ارتفاع فواتير الكهرباء، التي باتت تشكل عبئًا ماليًا يفوق قدرة العديد من الأسر على التحمل. ففي حلب، قرر المهندس الزراعي المتقاعد، محمد بسّام، الامتناع عن تسديد فاتورته التي بلغت نحو 35 دولارًا أمريكيًا، مؤكدًا لموقع سوريا 24 أن الكهرباء تحولت من خدمة أساسية إلى عبء يلتهم الراتب بأكمله. ويشير بسّام إلى أن قيمة فاتورة الكهرباء وحدها باتت توازي أو تتجاوز دخل شهر كامل لشريحة واسعة من المتقاعدين وذوي الدخل المحدود، في ظل استمرار ساعات التغذية المحدودة والمتقطعة، مما يدفع العائلات للبحث عن بدائل أكثر كلفة.
تتقاطع شهادة محمد بسّام مع شكاوى معظم السوريين الذين باتوا يحجمون عن تسديد فواتير الكهرباء، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعارها وعدم تناسبها مع الدخل المحدود، الذي لا يتجاوز في أفضل الأحوال 120 دولارًا أمريكيًا شهريًا. وقد تصاعد هذا الاستياء بشكل كبير عقب قرار وزارة الطاقة السورية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي رفع أسعار الكهرباء بنسبة وصلت إلى 6000%، في خطوة بررتها الحكومة بأنها تهدف إلى إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة.
بحسب محمد بسّام، فإن متوسط مصاريف الطاقة والاتصال لعائلة سورية مكونة من أربعة أفراد بات يفوق بكثير قدرتها الشرائية. ويوضح أن متوسط فاتورة الكهرباء في مدينة حلب يصل إلى نحو 350 ألف ليرة سورية شهريًا، مع استخدام يقتصر على الإنارة وسخان المياه والتلفاز. وتضطر العائلات إلى الاشتراك بـ"الأمبيرات" بكلفة شهرية تقارب 190 ألف ليرة سورية لتأمين ساعات تغذية إضافية.
ويشير بسّام إلى أن الغاز المنزلي يشكل عبئًا إضافيًا، إذ يبلغ سعر أسطوانة الغاز نحو 135 ألف ليرة سورية، ومع الحاجة لأكثر من أسطوانة للتدفئة خلال فترة قصيرة، ترتفع الكلفة إلى أكثر من 400 ألف ليرة. أما في حال الاعتماد على المازوت، فتصل كلفة التدفئة اليومية إلى نحو 36 ألف ليرة سورية، أي ما يتجاوز مليون ليرة شهريًا. ولا تقل نفقات الإنترنت والاتصالات وطأة، إذ تبلغ كلفة الإنترنت نحو 130 ألف ليرة سورية شهريًا، بينما تتجاوز مصاريف الهواتف المحمولة 400 ألف ليرة لعائلة واحدة. وبناءً على هذه الأرقام، يؤكد بسّام أن إجمالي نفقات الطاقة والاتصال فقط يتراوح بين 2.5 و2.7 مليون ليرة سورية شهريًا، دون احتساب تكاليف الغذاء أو الإيجار أو الصحة أو التعليم.
من دمشق، تعبر رنا، ربة منزل وأم لطفلين، عن استيائها من واقع فواتير الكهرباء، مؤكدة أن أسرتها تلتزم بترشيد الاستهلاك إلى أقصى حد دون أن ينعكس ذلك على قيمة الفاتورة. تقول رنا لموقع سوريا 24: "نطفئ الإنارة غير الضرورية، لا نشغل الغسالة إلا مرة واحدة في الأسبوع، ونستخدم السخان الكهربائي فقط عند الضرورة، ومع ذلك جاءت الفاتورة أعلى من دخل زوجي الشهري". وتضيف أن العائلة باتت مضطرة للمفاضلة بين تسديد فواتير الكهرباء وتأمين الاحتياجات الأساسية، معتبرة أن "الكهرباء تحولت من خدمة عامة إلى عبء يومي يهدد استقرار الأسرة المعيشي".
تعكس هذه المعطيات حالة الغضب الشعبي التي شهدتها دمشق مؤخرًا، حيث خرج محتجون أمام وزارة الطاقة رافعين لافتات كُتب عليها "لن ندفع"، في مشهد نادر بعد سنوات من التضييق على الاحتجاجات زمن النظام الأسدي الساقط. ويقول مشاركون في هذه التحركات إنهم فوجئوا بفواتير تفوق دخلهم الشهري رغم التزامهم الشديد بترشيد الاستهلاك.
وفي هذا السياق، طالب عدد من المواطنين الذين التقاهم سوريا 24 بإعادة النظر في آلية الفوترة المعتمدة، داعين إلى اعتماد فوترة شهرية واضحة بدلًا من تراكم الفواتير على فترات متباعدة، لما لذلك من أثر في تخفيف الصدمة المالية على الأسر. كما دعا آخرون إلى الانتقال نحو نظام مسبق الدفع يعتمد على كمية الاستهلاك الفعلي، على غرار الأنظمة المعتمدة في عدد من الدول، معتبرين أن هذا النموذج يتيح للمشتركين ضبط استهلاكهم بشكل أدق، ويعزز الشفافية في احتساب الفواتير، في ظل فقدان الثقة بالآليات الحالية للجباية. ويرى اقتصاديون أن جوهر الأزمة لا يكمن في الأسعار وحدها، بل في التآكل الحاد للقدرة الشرائية، في بلد لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور 750 ألف ليرة سورية، بينما يتقاضى كثير من الموظفين أقل من ذلك بكثير.
بحسب تقديرات صادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يُعدّ قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات تضررًا في سوريا، حيث تشير تقييمات الأضرار إلى أن أكثر من نصف البنية التحتية الكهربائية تعرضت لدمار كلي أو جزئي، سواء على مستوى محطات التوليد أو شبكات النقل والتوزيع. وفي ضوء تقدير البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، تُقدر حصة قطاع الكهرباء والطاقة بما يتراوح بين 25 و40 مليار دولار أمريكي.
وتُظهر بيانات أممية أن نسب الفاقد الفني وغير الفني في الشبكة الكهربائية السورية تتجاوز في بعض المناطق 35 إلى 45% من الطاقة المنتجة، نتيجة تقادم التجهيزات، وضعف الصيانة، والتعديات على الشبكة، ما يرفع كلفة التشغيل ويقوض أي تحسن مستدام في التغذية الكهربائية. أما على مستوى الاستثمار، فتشير دراسات صادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) إلى أن إعادة تأهيل الشبكات الكهربائية في الدول الخارجة من نزاعات تتطلب استثمارات سنوية كبيرة تمتد لسنوات طويلة. وبالاستناد إلى هذه التقديرات، يرى خبراء اقتصاد وطاقة أن النهوض التدريجي بالقطاع الكهربائي في سوريا يحتاج إلى ضخ استثمارات تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار سنويًا، على مدى عقد على الأقل، في حال اعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
من جانبه، يرى المهندس أحمد عيشة، موظف وخبير سابق في مديرية كهرباء حلب، خلال حديثه لموقع سوريا 24، أن الكمية المخصصة ضمن الشريحة المخفضة، والمحددة بـ300 كيلوواط ساعي شهريًا بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط، أي ما يعادل 180 ألف ليرة، غير كافية، خاصة في فصلي الشتاء والصيف، ما يستدعي رفعها لتتناسب مع الحد الأدنى من احتياجات الأسر. ويشرح عيشة أن الفواتير سابقًا كانت تحتسب على أساس قيمة الطاقة المستهلكة، مضافًا إليها رسوم بنسبة 22% وإيجار العداد، مشيرًا إلى أن هذه الرسوم ألغيت مؤخرًا، بينما بقي إيجار العداد، وهو رسم يصفه بأنه "غير مبرر"، إذ يغرم المشترك بقيمة العداد في حال تلفه، ويدفع تأمينات عند الاشتراك الجديد.
ويقر الخبير بتحسن نسبي في واقع الكهرباء خلال العام الماضي، حيث ارتفع متوسط ساعات التغذية إلى ما بين 6 و8 ساعات يوميًا، مع زيادة التغذية خلال أيام العطل، إلا أنه يؤكد أن الحديث عن جودة التيار واستقراره لا يزال مبكرًا، بسبب التحميل الزائد، وتقادم التجهيزات، والتعديات على الشبكة. ويضيف أن العلاقة بين شركات الكهرباء والمشتركين تدار بعقود "إذعان"، نظرًا لكونها الجهة الوحيدة المزودة للطاقة، ما يحرم المشتركين من المطالبة بتعويضات عن الأضرار الناتجة عن عدم استقرار التيار أو ضعف التوتر الكهربائي.
يرى عيشة أن الحكومة استعجلت في رفع التسعيرة، رغم الدخل المنخفض للمواطن السوري، الذي لا يتجاوز في المتوسط 100 دولار شهريًا، وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى أن الشبكة الكهربائية لا تزال بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة من محطات الإنتاج وصولًا إلى المنازل والمنشآت. ويحذر من تحميل المشتركين كلفة إصلاح شبكة متهالكة، بالتوازي مع تقديم شروط استثمارية مريحة للشركات عبر رفع أسعار الطاقة، معتبرًا أن هذه السياسة "عكسية ولا تؤدي إلى النتائج المرجوة". ويقترح الخبير اعتماد سياسة الشرائح والتعرفات الزمنية (نهار – ذروة – ليل)، وهي سياسة يمكن تطبيقها عبر العدادات الإلكترونية، بهدف ترشيد الاستهلاك وتخفيف العبء عن ذوي الدخل المحدود.
منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، تعهدت السلطات الجديدة بزيادة إنتاج الكهرباء، ووقعت اتفاقيات لاستيراد الغاز من تركيا وقطر، في وقت تشير فيه تقديرات البنك الدولي إلى أن كلفة إعادة إعمار سوريا تتجاوز 216 مليار دولار. غير أن هذه الوعود، كما يقول محمد بسّام، "لم تنعكس بعد على حياة الناس"، مضيفًا: "المشكلة لم تعد فقط في ساعات التقنين، بل في أن الفاتورة أصبحت أعلى من الراتب، والكهرباء تحولت من حق أساسي إلى عبء يومي".
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
سياسة