معرض دمشق الدولي للكتاب يعود بـ100 ألف عنوان: هل يفتح أبواب الحرية الثقافية أم يكرر قيود الماضي؟


هذا الخبر بعنوان "هل يكسر محظورات الماضي.. معرض دمشق الدولي للكتاب يعود بـ100 ألف عنوان" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
انطلق معرض دمشق الدولي للكتاب، في 6 من شباط الحالي، في دورته الأولى بعد التحرير، والتي تستمر لمدة عشرة أيام. يشهد المعرض مشاركة واسعة تضم أكثر من 500 دار للنشر، وتقدم ما يزيد على 100 ألف عنوان من 35 دولة عربية وأجنبية، مجسدًا بذلك فلسفة ثقافية تعتبر الكتاب والأبجدية والذاكرة الحضارية أساسًا لبناء الحاضر وصناعة المستقبل.
تؤكد وزارة الثقافة السورية سعيها لجعل هذه الدورة من معرض دمشق الدولي للكتاب "حدثًا ثقافيًا يرسخ دور سوريا في صناعة المعرفة ويؤكد حضورها الفاعل على المستويَين العربي والدولي"، بالإضافة إلى استناده إلى رؤية موجهة نحو تنوع الثقافة السورية.
منذ بدء الحديث عن إعادة إحياء المعرض، ومعنى كونه الدورة الأولى بعد التحرير، يؤكد القائمون عليه أن هذا الموسم سيعكس وجهًا مختلفًا تمامًا عما سبقه، مشددين على غياب الحظر والرقابة المسبقة وقوائم الموافقات. وبحسب قولهم، تستطيع كل دار نشر عرض ما تشاء من عناوين بلا خوف أو تضييق، وهو أمر لا يزال من المبكر التماس واقعيته على الأرض من آراء الزوار. ويرى السوريون في المعرض حدثًا ثقافيًا يحول الكتاب إلى جسر حقيقي يصل الماضي بالحاضر ويبني الغد.
يرى الصحفي السوري جعفر مشهدية، في حديثه إلى عنب بلدي، أن معرض دمشق الدولي للكتاب يمثل فرصة للتعرف إلى البلدان المشاركة ونتاجها الحضاري من خلال مؤلفات كتّابها، خاصة أن المعروض يكون عادة بسعر في متناول القارئ. ويؤكد مشهدية أن النقطة السلبية سابقًا كانت في الرقابة المشددة التي تمنع أي كتاب لا يتفق مع سياسة الحزب الحاكم، سواء كان الكاتب يهاجم الحكم أو يختلف معه في بعض النقاط، مما كان يعني أن الكتاب لن يوجد لا في المعرض ولا حتى في سوريا.
يأمل مشهدية أن تكون الدورة الحالية مختلفة عن سابقاتها من حيث دور الطباعة والدول المشاركة، وألا يكون هناك "فيتو" على أي نتاج مكتوب سواء كان يتفق مع الحكم الحالي أو لا. وقال إن الإبداع لا يمكن أن يؤطّر برقابة، وإذا كانت الرقابة انتقائية كما كان يحدث زمن النظام السابق، فهذا يعني أننا نسير على ذات منهجه، مشددًا على أن من يمنع كتابًا يمنع كل شيء.
وأضاف الصحفي أن صورًا انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي لكتب مشاركة في المعرض أثارت مخاوف معظم السوريين، وليس المثقفين فقط، لأنها تتعلق بأفكار متطرفة. واعتبر أنه إذا صح ما تم نشره، فلن يكون معرض دمشق للكتاب، بل سيكون معرض أي شيء غير دمشق، فهذه المدينة لا تقبل التطرف ولا تُكنّى به أو ترضى أن يُكنّى بها.
وبحسب مشهدية، يجب على القائمين التركيز على إفساح المجال للكتب التنويرية والنقدية والتاريخية، سواء تلك التي تتفق مع الحكم الحالي أو لا، موضحًا أن في ذلك تأكيدًا على مساحة الحريات الكبيرة الموعودين بها، واختبارًا حقيقيًا للتعامل مع الثقافة والفن والإبداع. كما يجب أن يركّز القائمون على أسعار الكتب، وفق مشهدية، إذ من الضروري جعلها بالمتناول خصوصًا في الأجنحة السورية. وختم مشهدية حديثه لعنب بلدي متسائلًا: "هل سيكرر الحكم الحالي تجربة (البعث) أم سيخلق تجربته الخاصة سلبًا أو إيجابًا؟ هذا ما سنعرفه خلال أيام المعرض".
يرى الأكاديمي والشاعر السوري الدكتور محمد زكريا الحمد، في حديثه إلى عنب بلدي، أن معرض دمشق الدولي للكتاب يمثل خطوة كبيرة نحو استعادة دمشق لدورها بوصفها عاصمة ثقافية عربية، لكنه يحتاج إلى دعم مستمر ليصبح منصة حرة لبناء مستقبل سوريا المعرفي ورسم معالم وجهها الثقافي. وبحسب الحمد، ينتظر أدباء وكتّاب سوريا من المعرض في دورته الأولى بعد التغيير استعادة الفضاء الثقافي الحر، مع انفتاح أكبر على حرية التعبير والنشر بعيدًا عن الرقابة السابقة التي كانت خانقة.
كما أن الكتّاب بانتظار عودة دور النشر السورية من المنفى لتلتقي بالقارئ مباشرة، مع مشاركة دولية واسعة، وضيافة شرف للسعودية وقطر، ومبادرات داعمة مثل "كتابي الأول" و"زمالة دمشق" للترجمة و"مسار ناشئ" للمواهب الشابة، مع برنامج غني يتجاوز 650 فعالية ثقافية، تابع الحمد. ومن الإيجابيات التي تبهج الرائي، وفق الحمد، الإقبال الجماهيري منذ اليوم الأول، والحضور الرسمي رفيع المستوى، وشعار "تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرؤه" الذي يعكس إرادة إعادة صياغة الرواية السورية بحرية، والتركيز على النهضة الثقافية وبناء الوعي الجمعي. ولفت الأكاديمي والشاعر السوري إلى أن التحديات الأولية تشمل بعض الحوادث كحظر كتاب معيّن أو حساسية الوقت بسبب التزامن مع شهر رمضان، إضافة إلى الحاجة لتثبيت آليات النشر الحر دون رقابة جديدة.
من جهته، وصف مدير النشر والتحرير في دار "موزاييك" المشاركة في معرض دمشق الدولي للكتاب بدورته الحالية، الشاعر حسن قنطار، المعرض لعنب بلدي بأنه يمثّل نقطة فاصلة في أذهان كثير من الأدباء والكتّاب والمفكرين، واصفًا إياه بالتحرير الثاني لسوريا بعد تحريرها الأول في 8 من كانون الأول 2024، على حد تعبيره.
يتكون المعرض من أجنحة متعددة، تشمل الفعاليات الثقافية، ودور النشر الموجهة للكبار، وأجنحة للوزارات والهيئات الرسمية، إضافة إلى جناح كامل مخصص للطفل، إذ صُمم الأخير ليكون عالمًا قائمًا بذاته، ومغريًا بصريًا. ويشكّل معرض دمشق الدولي للكتاب محاولة طموحة لنسج خريطة ثقافية جديدة تجمع بين براءة الطفولة وعمق التراث، بين اللحظة التفاعلية والذاكرة الجماعية. ففي أجنحة مخصصة للأطفال، تتحول القراءة إلى مغامرة حسية تختلط فيها الألوان بالألعاب والتجارب العلمية البسيطة.
تعود شخصيات تاريخية وأدبية، من المتنبي إلى الجاحظ، إلى الحياة عبر تقنية "الهولوغرام" في مشهد غير مسبوق محليًا، ليكون المعرض مساحة مفتوحة تُبنى على الكتب، وعلى التجربة الحية التي تربط جيلًا ناشئًا بموروثه، وتؤسس لثقافة تكون فيها المعرفة متعة، والتراث حوارًا مستمرًا بين الماضي والمستقبل. أبرز ما ميز التحضيرات لهذا الموسم هو حجم المبادرات الفردية التطوعية التي شاركت في الاستعداد للمعرض، أي أن إقبال الناس وحبهم للمساهمة كان دافعًا لبذل أقصى الطاقات، ومؤشرًا على أن الثقافة ما زالت قادرة على جمع السوريين حولها.
يجسد الشعار البصري لمعرض دمشق الدولي للكتاب في دورته "الاستثنائية" هوية سوريا الثقافية العميقة، ويختصر رحلة حضارية تمتد لآلاف السنين، من ابتكار الأبجدية الأولى في "أوغاريت" وصولًا إلى الحاضر الثقافي المعاصر لسوريا الجديدة. صُمّم الشعار ليحمل دلالات رمزية تعبّر عن دمشق وسوريا معًا، عبر أربعة كتب متراكبة شاقوليًا، يتضمن كل واحد منها مكتبة قديمة مليئة بالكتب، في إشارة مباشرة إلى العلاقة العضوية بين المكان والمعرفة، باعتبار أن الكتاب ليس عنصرًا بصريًا فحسب، بل جوهر الهوية الثقافية السورية.
ويتضمّن الشعار البصري أربعة أحرف قديمة تشكّلت من الكتب والمكتبات، لترمز إلى حضارة "أوغاريت" التاريخية، والمستوحاة من أقدم أبجدية مكتشفة في العالم، التي تعود إلى القرن الـ14 قبل الميلاد، وعُثر عليها في "رأس شمرا" على الساحل السوري. واعتماد هذه الأحرف القديمة يحمل رسالة مفادها أن السوريين هم صُنّاع الأبجدية والكتاب، وأن هذا الإرث المعرفي جزء أصيل من تاريخهم وهويتهم، في استحضار مباشر لمعنى شعار المعرض: "تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرؤه". كما يستحضر الشعار أيضًا رمزية أقدم مكتبة معروفة في العالم، وهي مكتبة "إيبلا" التي تعود إلى نحو 2400 قبل الميلاد، والتي تضم آلاف الألواح الطينية التي لم تُترجم بعد، وكانت مكتبة حقيقية شكّلت مصدرًا أساسيًا لمعرفة تاريخ المنطقة في مختلف المجالات.
سياسة
ثقافة
تكنولوجيا
سياسة